وتطالعك هذه الشخصية القوية حيث يممت فيما تقرأ من آثار الرجل، لكنها تظهر على أشدها في حرص ضياء الدين على أن يأتي بالجديد الذي لم يسبقه إليه أحد. وهو كثير الحبور لأنه حبي درجة الاجتهاد، بينما يعيش جمهور الكاتبين على اجترار نتاجات الآخرين والتحوير فيها والتعليق عليها. وفي ذلك يقول:"وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة، وإنما هي متبعة (2) ". أنس ضياء الدين هذا في نفسه، وأدرك معه شيئًا آخر هو"المنزلة العلية"لصناعة الكتابة؛ فقد نزلت فيه منزلة المحب المُكرم. وما دام الأمر كذلك فقد سخر لها أقصى غايات قدراته.
وإذا كان العرب قد ألفوا قبل عصره فيما ينبغي أن يتوسل به الكاتب من الأدوات؛ أي فيما عرف بـ"أدب الكاتب أو الكتَّاب"، فإن ضياء الدين قد تشدد أكثر منهم في شأن ملكات متعاطي صناعة البيان. يقول:"وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون، حتى إنه يحتاج إلى معرفة ما تقول النادبة بين النساء، والماشطة عند جلوة العروس، وإلى ما يقوله المنادي في السوق على السلعة (3) ". ولا شك في أن الرجل كان يعرف ذلك في نفسه، ومن ثم أخذ يطلبه من الآخرين.
2-ثقافته ومؤلفاته: