مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 92 - السنة الثالثة والعشرون - كانون الاول"ديسمبر"2003 - ذو القعدة 1424
فهرس العدد
مع كتاب أسواق العرب في الجاهلية و الإسلام ـــ محمود فاخوري* ... بسوقٍ كثيرٍ ريحُه وأعاصِرُهْ
كان من عادة العرب في العصر الجاهلي أن يقيموا لأنفسهم أسواقًا موسمية عامة في أمكنة معينة وأزمنة محددة -إلى جانب أسواقهم المحليّة الدائمة- يتعاطون فيها أمور البيع والشراء والتجارة وفداء الأسرى، والتباهي بالأعمال العظيمة والمفاخر الجليلة والمآثر الحميدة، والاستعداد للأخذ بالثأر في قابل الأيام -كما سنرى-. وأصبح الكثير من هذه الأسواق -ولا سيما الكبرى منها- موسمًا سنويًا لاجتماع القبائل أيضًا وعقد المجالس للمناشدة والخطابة والتحكيم الأدبي والفصل بين الشعراء. ولم تكن هذه الأسواق الموسمية السنوية كلها في وقت واحد، ولذلك كان يتاح للعرب -أفرادًا وجماعات- أن يتنقلوا من سوق إلى أخرى، قريبة أو بعيدة قليلًا.
وهذه الأسواق تتفاوت من حيث الشهرة والذيوع، ومن حيث عدد الناس الذين يَفِدون إليها، ومنزلتهم الاجتماعية والسياسية والقَبليّة، وقد درج العرب على أن تكون الأشهر التي تقام فيها تلك الأسواق هي من الأشهر الحُرم، ومن ثم كانت أماكنها من الأماكن الحُرم أيضًا، فلا يجوز فيها العدوان ولا الغزو، ولا القتال، ولا الأخذ بالثأر.
والأشهر الحرم عندهم أربعة هي: ذو القَعْدة، وذو الحِجّة، والمحرّم، ورجب الفَرْد، وسميّ بذلك لانفراده عن الأشهر الثلاثة المتتابعة، ويقال له أيضًا"رجب الأَصمّ"لأنه كان لا يُسْمَع فيه صوتُ مستغيث، ولا حركةُ قتال، ولا قعقعةُ سلاح، شأن الأشهر الحُرم الأخرى.