مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 54 - السنة 14 - كانون الثاني"يناير"1994 - شعبان 1414
فهرس العدد
إن هذا البحث عصارة لغوية، ودراسة تطبيقية مختصرة شديدة الاختصار لأطروحات ونظريات استنتجها بعض علماء اللغة العربية القدامى بسبرهم الدائم لها، وينحو إلى ضرب من الفلسفة اللغوية تتمثل في محاولة اكتناه ذاتي للجذر"بحر".
لقد تتبعت جذر المادة اللغوية"بحر"في ستة عشر معجمًا لغويًا تراثيًا (1) ، ولم أقتصر على معجم بعينه أو معجمين، لعدة أسباب أولها: أني أردت تتبع معاني هذه المادة اللغوية تتبعًا تاريخيًا، وثانيها: أني كلما فتحت معجمًا جديدًا وجدت معاني إضافية زائدة عن سابقه، وثالثها: أني لم أقتصر على المعاجم الموسوعية كاللسان والتاج وفيهما غناء عن سواهما لتأخرهما زمنيًا، وأني أردت أن أستقي المادة اللغوية من منبعها الأصيل الصافي.
1 ـ معنى البحر:
إن للجذر"بحر"دلالات كثيرة مختلفة، غير أن ما يطلق عليه اسم البحر من الجذر ذي الدلالة المائية؛ أربعة:
أ ـ الماء الكثير العذب أو المِلْح (2) .
ب ـ البحيرة الكبيرة.
ج ـ الأنهار أو الأنهار العظيمة.
د ـ البحر بدلالته الحالية.
ـ أما معنى"الماء الكثير العذب أو الملح"، فقد ذكر ابن دريد أن:"العرب تسمي الماء المِلْح والعذب بحرًا إذا كثر" (3) ، وذكر ابن سيده أن:"البحر الماء الكثير ملحًا كَان أو عذبًا وقد غلب على الملح حتى قلَّ في العذب"، وأعاد هذا الكلام كل من (ابن منظور ـ الفيروز آبادي ـ الزبيدي) .
ـ وأما معنى"البحيرة الكبيرة"فهو مستمد من قول الخليل:"إذا كان البحر صغيرًا قيل له بحيرة وأما البحيرة في طبرية فإنها بحر عظيم وهو نحو من عشرة أميال في ستة أميال". وأجد صدى هذا الكلام عند الأزهري وابن منظور كليهما.