مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد السابع - السنة الثانية -نيسان"ابريل"1982
النموذج التعاطفي في كتابة التراجم - سهيل عثمان ... وغرس أنعامه بل نشء نعمته
آمل أن يتضح هذا النموذج ويتبلور مفهومه من خلال دراسة مثال عليه من تراثنا وهوأسلوب ابن أبي أصيبعة في كتابه العلمي المسمى (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) وابن أبي أصيبعة هو أحمد بن القاسم السعدي الخزرجي الدمشقي المولد. قيل أنه ولد عام 600 للهجرة وقيل بل 596 من أسرة أطباء عرفت بالعلم والأدب، فتزود بالثقافتين العامة والاختصاصية وغدا كحالًا أي طبيب عيون، وقد سافر في منتصف عمره إلى مصر وعمل فيها وعاد إلى دمشق بعد سنة، ثم دعاه أمير صرخد للإقامة بقربه فلبى وأطال المكث في البلدة التي أعجبه هواؤها إلى أن توفي فيها سنة 668هجرية (1270م) . وقد أسعفته ثقافته في تصنيف كتب عديدة كان عيون الأنباء ولم يزل أشهرها. يتألف الكتاب من أبواب متعددة تترجم للأطباء في مختلف العصور والأقطار وعند الأمم المختلفة فمن أطباء اليونان الأوائل إلى تلاميذهم، ومن أطباء العراق إلى أطباء الشام ومصر، ومن أطباء بلاد العجم إلى أطباء الهند، ومن أطباء العرب أثناء ظهور الإسلام إلى الأطباء النقلة الذين أطلعوا أبناء العربية على طب السابقين..
وبما أن كثيرًا من فلاسفة الأزمنة القديمة كانوا من الأطباء أو على الأقل من الدارسين للعلوم الطبية فقد احتوى"العيون"على ترجمة العديد منهم، وأصبح من المراجع الهامة المعينة في التعرف على الفلاسفة الإغريق والعرب وحكماء سائر الأمم. وقد أعجب المستشرق أوغست مولر بالكتاب، فتتبع مخطوطاته حتى حققه ودفعه إلى مصطفى وهبة وكيل دار الكتب المصرية فطبعه في المطبعة الوهبية عام 1882م. وجاءت الطبعة في مجلدين، وهي تدل على الجهد الذي بذله كل من أسهم فيها.