مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 85
فهرس العدد
في
عملية الإبداع الشعري قد يستحيل الفصل بين النسغ الفردي والنسغ الجماعي، فالفردية المفترضة في إبداع أي عمل فني لا يمكن لها إلا أن تمدّ جذورها في تربة الجماعية منطلقًا وهدفًا وفكرًا، والجماعية المفترضة في موضوعية أي عمل إبداعي لا يمكن لها أن تستحيل إبداعًا فنيًا إلا حين تسترفد جهد عبقرية الإبداع الفردي، ثم تتشعب التفاصيل وتتداخل حتى يبدو النص الإبداعي حاصل تمازج معقد لا يمكن فصل دقائقه أو إرجاعها إلى أصول واضحة محددة. ... صغُرَ البنونَ ورهطُ وردةَ غيَّبُ ( [7] )
ولقد شغلت مسألة الفصل بين الذاتية والجماعية جهد باحثين محدثين فذهب فريق منهم إلى فهم الأدب على أنه عمل إبداعي مهما بدت بواعثه فأهدافه منتمية إلى الهم الجماعي ( [1] ) وذهب آخرون إلى أنه نشاط اجتماعي مهما بدت صيغته دالة على تفرد مبدعه ( [2] ) وتوسط آخرون فنظروا إلى تمازج الفردية والجماعية حتى ذهب بعضهم إلى تشخيص مقطع ذاتي ومقطع جماعي في العمل الإبداعي الواحد ( [3] ) .
وعلى الرغم من كثرة هذا الذي قيل فإننا نرى أن منشأ التفاوت الحاد بين الأحكام ناشئ عن التفاوت الحاد في طبيعة النظر إلى ماهية العمل الإبداعي نفسه، فحين يتأمل النظر النقدي خلفيته الثقافية وهدفه التأثيري يجده جهدًا جماعيًا صرفًا، أما حين يستشرف تجربته النفسية وتكوينه الإبداعي فإنه لا يراه إلا نتاجًا فرديًا محضًا، ومن هنا نستطيع أن ندرك أن الحكم بتوزع العمل الإبداعي الواحد بين الذاتية والجماعية ينطلق من ازدواجية النظر إلى العمل نفسه.