مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 78 - السنة 20 - كانون الثاني"يناير"2000 - رمضان - شوال 1420
فهرس العدد
تجليات المكان في"رسالة الغفران" ( [1] ) ـــ د.أحمد زياد محبّك ... كأنه علمٌ في رأسه نار) (ص308)
تعدُ رسالة الغفران للمعرّي (363-449هـ) العمل الأدبيّ الوحيد في
اللغة العربية الذي تجرّأ فاستلهم القرآن الكريم، فأنشأ بوحيٍ منه رحلة
رحلة إلى الجنّة والنار.
إن أحدًا من الأدباء العرب، سواء في ذلك الشعراء والكتّاب، لم يقدم على استلهام أي قصة من قصص الأنبياء، ولا أي صورة من صور الجنة أو النار. لقد كان جهد الأدباء منصبًا على الإفادة من لغة القرآن الكريم، وأسلوبه البياني، وتراكيبه النحوية، والوقوف على صوره المجازية والبلاغية واستعاراته وكناياته.
وما أقدم عليه المعري فيه جرأة، ولكنّ فيه احترامًا للقرآن الكريم وتقديسًا وتقديرًا، وليس فيه أي شيء من المسّ به البتة. لقد أفاد من البنية العامة للجنة والنار في القرآن الكريم، واستلهمها، وبنى عليها رسالته ليقدّم جنة هي جنة الأدباء، وليقدّم نارًا هي نار بعض الأدباء.
والمعرّي يرى الجنة والنار من وجهة نظر الأديب الأعمى، الحبيس في داره، المحروم من متع الدنيا، سواء في ذلك الطعام أو الشراب أو المرأة أو البصر.
إن الأدباء العميان في الدنيا مبصرون في الجنة، وبصرهم فيها حديد، والعوران في الدنيا عيونهم في الجنّة من أجمل العيون.
إن المعرّي لايرى الجنّة من وجهة نظر المفتي أو الواعظ الدينيّ أو المرشد الروحي مثلًا، إنما يراها بعيني أديب لغوي شاعر، ويراها بعيني أعمى محروم من الطعام والشراب والمرأة، وبعقل فيلسوف له موقفه الخاص من الحياة.