مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 61 - السنة 16 - تشرين الأول"أكتوبر"1995 - جمادى الأولى 1416
فهرس العدد
"قيل لأبي العيناء محمد بن القاسم الأخباري: ليت شعري أيَّ شيء كان الجاحظ يحسن؟"
فقال: ليت شعري أيَّ شيء كان الجاحظ لا يحسن! (1) .""
والحق أن الجاحظ كان موسوعة علوم متعددة، وصورة بارزة متألقة لثقافة العصر العباسي المستبحرة، وأبلغ أصحاب الأقلام البليغة. بل كان الرائد الجريء في مختلف العلوم والفنون في ذلك العصر الذهبي، والفارس المجلّي في متباين الميادين الفكرية.
عاش حر التفكير، بعيد الغور، لامع الابتسامة، قريبًا من عامة الشعب وسوادهم، معزَّزًا، نافذ الكلمة عند الوزراء والخلفاء الذين أقروا له باتساع العلم، وتألق المعرفة، وبلاغة البيان. كان واعيًا لمكانته في مجتمعه وفي خارج مجتمعه، يقصده الباحثون والأدباء من أقاصي البلاد التي امتدت إليها الحضارة العربية الإسلامية نهلًا من أدبه، وتزوّدًا من ثقافته.
"قيل للجاحظ: كيف حالك؟ قال: يتكلم الوزير برأيي، وصلات الخليفة متواترة إليّ، وآكل من الطير أسمنها، وألبس من الثياب ألينها، وأنا صابر حتى يأتي الله بالفرج. قيل: بل الفرج ما أنت فيه. قال: بل أحبُّ أن ألي الخلافة، ويختلف إليّ محمد بن عبد الملك، يعني الوزير" (2) .
ونظن أن الجاحظ كان يبتسم حين قال: بل أحب أن ألي الخلافة، مشيرًا إلى أنه وصل من حسن الحال إلى أعلى ما يطمح إليه.
ولقد راجت كتبه ورسائله أي رواج، حتى إن بعضها كان"ينادى عليها (للشراء) بعرفات والبيت الحرام" (3) . على أن أبرز ما اشتهر به أبو عثمان"البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة" (4) . ونحن نزيد العلم والذكاء.