مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الأول - السنة الأولى - تشرين الثاني"نوفمبر"1979
تأثير الحضارة العربيّة في الحضارة الغربيّة - د.مصطفى الرافعي
الجامعَة اللبنانية
تمهيد:
الحضارة تجسيد للنشاط العقلي عند الإنسان، وتاريخ الحضارة سجل لتطور هذا العقل ومدى فعاليته في مختلف نواحي الحياة، من سياسية واجتماعية واقتصادية وإدارية وحربية وعمرانية. ودراسة هذا التاريخ تتناول إلى جانب ذلك وسائل إنتاج الإنسان ومستوى معيشته وفنونه الجميلة، ومعتقداته الدينية وأساطيره وعلومه وآدابه ووسائل كفاحه المستمر مع الطبيعة من أجل البقاء.
وذلك يعني أن هذا التاريخ لم يعد كما عرفه المؤرخ الإنكليزي"إدوارد فريمان"بقوله:
"إنه تاريخ السياسة الماضية"بل إن التاريخ بمجمله أضحى، بحسب النظرة التطورية الحديثة، هو بالذات تاريخ الحضارة.
والحضارة فعل نام متحرك كالكائن الحي، تولد ثم تحبو طفلة طرية العود، حتى إذا اشتد ساقاها وأينعت، بدأ عهدها المزدهر أو شبابها المعطي، وتكون في هذا الطور في إبان خصبها. فإذا استنفدت طاقتها المخزونة بدأت تنحدر نحو الهرم والشيخوخة، وبدأ عطاؤها يشح وينضب، إلى أن تنقرض.
في كل حضارة بلا شك بذرة بقاء، هي الإرث الحضاري الذي تتركه وراءها، وهذا الإرث مشاع كالهواء، يمكن لكل أمة أن تفيد منه، كما يمكن كل حضارة نامية أن تتفاعل معه وتجعله لبنة في بنيانها.
ولعله من حسن حظ الإنسانية أن يكون الأمر كذلك، لأن الحضارة المنغلقة على ذاتها لا يمكن أن تعطي الإنسانية شيئًا، فهي مبتلاة بالعقم لأن جوهرها يفتقر إلى بذرة البقاء.