مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 81-82
فهرس العدد
علوة الحلبية وظاهرة الطيف عند البحتري ـــ محمد كمال ... وتنظرُ من فاتر ذي حَوَرْ
ما من شاعر عربي في تاريخنا الشعري إلا وقد اقترن اسمه باسم فتاة هام بها وأكثر من ذكرها في شعره، حتى عرف بهما وعرفت به، فهذه بثينة محبوبة جميل. وهذه عزة محبوبة كثيِّر، وهذه ليلى محبوبة قيس بن الملوح، وهذه فوز محبوبة العباس بن الأحنف، وهذه مية محبوبة ذي الرمة. وبين الشاعر ومحبوبته تروى طرائق الأخبار وتتناقل روائع الأشعار.
أما البحتري الشاعر العباسي الملهم فقد غزت قلبه فتاة حلبية اسمها"علوة"لم تذكر كتب الأدب والتراجم من سيرتها سوى ما ذكره ياقوت [1] من أنها كانت تقيم في وسط حلب، وأن أمها اسمها"زريقة". كما أنها لم تذكر كيف تم اللقاء بينها وبين الشاعر، غير أن علوة هذه كانت على ما يبدو غاية في الحسن والبهاء. مع قدر كبير من البتة والاستعلاء، فشاعرنا يصف، حوراء عينيها وافترار ثغرها وتثني قوامها بقوله [2] :
تبسَّمُ عن واضح ذي أُشَرْ
وتهتز هزة غصن الأراك ... عارضَه نشرُ ريح خَصِرْ
ومما يبدد لبَّ الحليم ... حسنُ القوام وفتر النظرْ
ويصف مشيتها في موضع آخر بقوله [3] : ... وتميسُ في ظل الشباب فتخطرِ
تمشي فتَحكم في القلوب بدلِّها
وتميل من لين الصبا فيقيمها ... قدٌّ يؤنَّث تارة ويذكَّر
والمتصفح لديوان أبي عبادة البحتري تطالعه في عدة مواضع أبيات تشير إلى أنه كان يلتقي بعلوة في جنح من الليل، فيحظى بوصالها، ويتنغم بمفاتنها، إلى أن ينبلج الصبح وتنكشف حجب الظلام، فمن ذلك قوله يصف لقاءه بها عند ضفاف نهر قويق الذي كان متدفقًا دائم الجريان آنذاك [4] : ... بالأمس بيضاء لست أكفرُها
إن قويقًا له عليَّ يدٌّ
(1) - معجم الأدباء: 7/226.
(2) - لديوان: 2/848.
(3) - الديوان: 2/1070.
(4) - الديوان: 2/1074.