مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثاني - السنة الاولى - أيار"مايو"1980
موضوع حرية الفكر، بما تشتمل عليه هذه الحرية من حرية التعبير، وحرية النقد، وحرية الجهر بالرأي، يدخل في هذه الأيام في إطار المواضيع الأساسية المطروحة على العصر الذي نعيش فيه. ومن الواضح أن حرية الفكر هي العنصر الأهم والأكبر، مما يطلق عليه اسم الديمقراطية. وعندما نلاحظ أن الجدل كبير حول الديمقراطية، والدكتاتورية، وصلاح إحداهما دون الأخرى لقيادة الحكم في البلاد المختلفة، المتقدمة أو المتخلفة، فإن من المشروع أن ننظر إلى حرية الفكر في الحضارة العربية- الإسلامية من حيث هي مبدأ مقرر في أساس هذه الحضارة، أو مستبعد عنها. لنعرف، على ضوء ذلك، كم نحن قريبون من منابع حضارتنا، أو كم نحن بعيدون عنها.
إلا أن الحضارة ليست"مطلقًا"يعيش خارج الزمان والمكان والجماعات التي تعيش فيهما. وبتعبير آخر ليست الحضارة قيمًا مستقرة، ثابتة، لا تتحول ولا تتبدل مع الأيام بل إنها ككل شيء آخر، تخضع لعاملي التبدل والتطور. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن التبدل، غير التطور. فهذا الأخير تكامل، وتقدم إلى الأمام، وبنية أدنى تتحول إلى بنية أعلى منها. أما التبدل، فإنه عشوائي يقلب البنى، أو يعكسها، أو يجعل عاليها سافلها، أو العكس. ولهذا فإنه لا مجال لغض النظر عن رسم صورتي التبدل والتطور، اللتين مرت بهما قيم الحضارة العربية الإسلامية جملة، ولو أننا هنا لا نُعنى إلا بجانب واحد، هو حرية الفكر، وحدها.
وهكذا يقسم موضوعنا إلى ثلاثة أقسام طبيعية: