1-أولها يتناول حرية الفكر كقيمة، والنصوص القرآنية أو النبوية التي تؤكد عليها، وتقررها، وتثبتها، والحدود التي ترسمها لها. ونحن نقول هذا، دون آراء مسبقة، لأننا لا نقرر سلفًا أن حرية الفكر قيمة قررها الدين الإسلامي أو نفاها، وأكدها أو جرحها، وأباحها إباحة، أو حرمها. وكل ما علينا هو أن نضع النصوص التي بين أيدينا موضع البحث، ونستقرئها جملة، ونخلص منها إلى ما لا بد أن نقرره، أو إلى ما لا بد أن يرى العقل أنها تقرره.
2-والقسم الثاني هو استعراض ممارسة هذه القيمة في السنوات الذهبية الأولى، لحياة الدين الإسلامي، أي في عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم ممن جرى على سنتهم، سواء أكانوا قدماء جدًا، أو متأخرين أو بين أولئك وهؤلاء. ونعتبر، بالضرورة، أن هذه الممارسة، القريبة من الأصول، شاهد أول وأساسي فيما يتعلق بإثبات هذه القيمة أو نفيها أو التضييق عليها، ببعض الحدود.
3-والقسم الثالث، يتناول تطور هذه القيمة أو تبدلها، والعوامل التي ساعدت على ذلك، ودرجة صلة هذا التطور أو التبدل بالأصل الذي انحدر منه، أو تسلسل تبعًا له.
وفي رأينا- ما دامت دراستنا هذه- كتبت بعد أن هيئت- أن حرية الفكر قيمة مثالية، أكبرها الدين الإسلامي (1) ، واحتضنتها التقاليد الديمقراطية العربية، في المجتمعات القبلية التي كان العرب يعيشون في إطارها، ولبثت في القوم قائمة، بمقدار ما كانت الحياة القبلية هي الأصل والأساس في المجتمع العربي، وأنها انهارت شيئًا فشيئًا، بحكم اختلاط المجتمع العربي بالمجتمعات الغريبة، ولا سيما المجتمعات الفارسية بالدرجة الأولى، والرومية بدرجة أقل، ثم غير هاتين من المجتمعات بدرجة أدنى بكثير ولا شك، ولكن دومًا باتجاه الانحطاط والانهيار.