مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 91 - السنة الثالثة والعشرون - أيلول"سبتمبر"2003 - رجب 1424
فهرس العدد
بين السهروردي و الحلاج ـــ رضوان السحّ* ... إياك إياك أن تبتل بالماء ( [6] )
* تقاطعات السيرة:
ليست المسافة بذلك البعد بين دجلة بغداد وقلعة حلب، إذ لا بد من كبش فداء لتوحيد الأمة على وليمته في كل زمان ومكان، وكأن ثمة امتدادًا للأسطورة ذا طابع كوني صميمي يصعب الفكاك منه.
في بغداد يعمل الوزير العباسي حامد بن عباس جاهدًا في استصدار حكم الخليفة المقتدر بقتل الحلاج، بذريعة أن أمره قد أصبح من الخطورة بحيث إنه بات يهدد أركان الخلافة، وإنه ما لم ينفذ به الحكم وقعت الفتنة.
لقد نال الحلاج حظوة كبيرة في قصر الخلافة، بما في ذلك أم الخليفة، فأثار بذلك حسد جميع المتملقين والراغبين بحظوة القصر، وأثار حقدهم إذ كيف وصل إلى ما وصل إليه دون اللجوء إلى أساليبهم في التذلل، بل على العكس من ذلك كان في غاية الأنفة والعزة، حتى لكأن القصر لا يطلب إلا رضاه.
كان يتحدث بصوت الحق الذي في داخله، صوت فريد لا ينخرط ببغائية الجوقة، فكان لا بد من إسكاته، لأن بنية الأمة كانت من الهشاشة بحيث إنها لا تحتمل التنوع، ولذا لا يمكن أن ترى الوحدة قائمة على التنوع في مثل هذه الحال، أو على تقدير أحوال الرجال على حد تعبير أخت الحلاج في مشهد قتله. ( [1] )
بعد قرابة مئتين وثمانين عامًا يملأ الحسد والحقد قلوب البطانة المتملقة حول قصر الظاهر في حلب، إذ كيف يحظى شهاب الدين السهروردي، هذا الشاب الغريب القادم من بلاد العجم بهيئته الرثة بهذه المكانة الرفيعة عند ملكهم نجل الناصر صلاح الدين!
وكما نجحت مساعي الوزير حامد في استصدار حكم الخليفة بقتل الحلاج وحرقه وذرّ رماده في دجلة ( [2] ) ، نجحت المساعي هنا في خنق صوت السهروردي. ( [3] )