مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 80
فهرس العدد
إن الحديث عن التأثر والتأثير، في الأعمال الإبداعية الإنسانية، ومدى خلود هذه الأعمال واستمرارها، بحيث تدخل في نسيج الأعمال التالية، يبدو حديثًا صعبًا؛ إذ لا يمكن ملاحظة الحدود التي تجعل عملًا ما استمرارًا أو تقليدًا أو محاكاة لعمل سابق، أو تبقي الأمر في إطار التأثر المحدود والمشابهة فحسب.
إن القضية تبدو معقدة نوعًا ما، حين نجري مقارنة بين رسالة الغفران للمعري، والكوميديا الإلهية لدانتي، لنصل إلى معرفة مدى تأثر دانتي بالمعري، ونجيب على التساؤل: فيما إذا كان ثمة اتصال أو انقطاع بينهما، أو مع الأعمال التالية، إلى وقتنا المعاصر.
إنني أميل إلى الاعتقاد بأنه ليس ثمة محاكاة أو تقليد بين هذه الأعمال، وأن الأمر لا يعدو كونه تأثرًا أو تشابهًا في الشكل. مع اختلاف واضح في المضمون والأفكار المطروحة، وحتى في طريقة التناول والمنهج المتبع.
وقديمًا قال عنترة: هل غادر الشعراء من متردم؟
رسالة الغفران: كتبها أبو العلاء المعري (363-449هـ) ، في نهاية الربع الأول من القرن الخامس الهجري، ويفصل بينها وبين كوميديا دانتي حوالي أربعة قرون.
هي رد على رسالة بعث بها ابن القارح إليه، وفيها نجد أبا العلاء يطوف بصاحبه في أرجاء العالم الآخر، في رحلة خيالية ممتعة، حيث ذاقا معًا ألوانًا من السعادة والنعيم، ليعوض بذلك ما كابده من ألم ومعاناة في حياته الدنيا.
أما هذه المعاناة، فهي معروفة، أدت إلى اعتزاله الناس والحياة العامة.
فجنة أبي العلاء هي جنة السجين المكبوت والمحروم والضرير. هي جنة حفلت بمجالس الأدباء، وجعلت للأدب الجيد مكانة، تجعله وسيلة للشفاعة والغفران.