مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 29 - السنة الثامنة - تشرين الأول"اكتوبر"1987 - صفر 1408
عاش الشعر العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر مرحلة انبعاث ناشطة، استعاد خلالها الكثير من روائه، واسترد الجم من رونقه، بفضل إشراق مواهب عديدة لم يجُد الزمان بمثلها منذ قرون. وكان الشاعر المصري محمود سامي البارودي رائد حركة الإحياء التي طمحت إلى نسج برود الشعر القشيبة على منوال الفحول الأقدمين، ودأبت على التشبه بهم واحتذاء طرقهم وأساليبهم .ثم كان أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وأمثالهم أمناء على هذا التيار التقليدي، حين أغنوه بفيض قرائحهم وأرسوا قواعده بجميل أشعارهم. ومع ذلك عرف هؤلاء في الوقت نفسه، وعلى تفاوت فيما بينهم، مظاهر من التجديد المتئد ضمن إطار الأصالة والقدم.
وقد كان لهؤلاء الشعراء الرواد أثر بعيد في حياتهم في جيلهم، إذ باتوا قبلة أنظار الأدباء والمثقفين في عصرهم، وغدوا مثلًا رفيعة في عالم الشعر تبعث على الاتباع وتغري بالاحتذاء.
وشفيق جبري الذي تفتحت قريحته على رؤية أولئك الأعلام وهم في عنفوان شاعريتهم وأوج تألقهم، ما كان سوى واحد من شعراء ذلك الجيل، وإلى جانبه شعراء آخرون من طبقته في بلاد الشام، من أمثال إبراهيم طوقان وبشارة الخوري وخير الدين الزركلي وخليل مردم بك.
وكان يتراءى أمام عيني الشاعر جبري أولئك الرواد الأعلام الذين راحوا يملؤون ساحة الأدب ويدأبون على رفدها بفيض قرائحهم، كما كان ماثلًا أمامه نهر دافق من التراث الفكري والأدبي يعب منه ويتشبع به.