مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 70 - السنة 18 -كانون الثاني"يناير"1998 - رمضان 1418
فهرس العدد
كان لابد أن يمر قرنان أو ثلاثة، على انتهاء الحروب الصليبية، قبل أن يستعيد الغرب أنفاسه، إثر الهزائم الساحقة التي مني بها في هذا الجزء من الوطن العربي، وأرغمته على الرحيل، غير أن آثارها الثقافية والروحية التي تركت بصماتها على الحياة في القرون التالية في الغرب، فعلت فعلها، وكان لها دورها الكبير في نهضة أوروبا... وقد بدأت أواخر القرن الخامس عشر. ويبدو أن صور الشرق الذهبية التي رسخت في الذاكرة الشعبية في أوروبا، بعد القصص والأخبار والأحاديث التي رواها العائدون من أرض الحروب الصليبية، ظلت تمارس سحرها، وتحرض على التحرك باتجاه الشرق ، ولكنه كان تحركًا من نوع آخر، يهدف إلى تعميق المعرفة والاطلاع على أحوال الوطن العربي من جهة، ويبغي إسكات ذلك الفضول النهم إلى الكشف ومعانقة أسرار الشرق من جهة ثانية.
في ذلك الزمن، مطلع القرن السابع عشر، ولم يكن الاستعمار الغربي قد ذر قرنه، شهدت أقطار الوطن العربي في آسيا وافريقيا، عددًا من الرّحالين جاؤوا من مختلف أرجاء أوروبا. وكان أحد هؤلاء"لوران دارفيو Laurent d'Arvierux"فبعد أن أنهى دراسته العليا في جامعة مرسيليا، حيث أتقن بعض لغات الشرق: العربية والتركية والفارسية وغيرها، قرر أن يسافر إلى الشرق ذاته.
أبحر دارفيو من مرسيليا عام 1653، فكانت"أزمير"في تركيا أول مدينة يبلغها، ثم تابع طريقه حتى وصل إلى صيدا، هناك أقام خمس سنوات. وعمل بنجاح في التجارة...
وبعدئذ.... بدأت القصة التي سجلها في مذكراته، ونشرت قسمًا منها بعض الصحف الفرنسية في القرن السابع عشر، ثم جمعها ونشرها في ستة أجزاء راهب دومنيكاني عام 1735... بعد وفاة دارفيو بثلاث وثلاثين سنة.