مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 44 - السنة 11 - تموز"يوليو"1991 - محرم 1412
فهرس العدد
إن التعريف التقليدي للفلسفة على أنها حب الحكمة ربما يصيب فعلًا ماهية الفلسفة، شريطة أن يفهم هذا الحب فهمًا صحيحًا، فيكون حبًا فاعلًا ومنفعلًا بآن معًا، والفاعلية هنا شرط لازب، فمن أحب الشيء طلبه، ومن طلب الشيء سعى له، وإلا بطُل الحب، وفلَّت الوشائج بين المحب والمحبوب، وبالتالي لم يعد ثمة علاقة يمكن التحدث عنها.
إذن فحب الحكمة يقتضي طلبها والسعي للحصول عليها، ولذلك وجب علينا هنا أن نتساءل: ما الحكمة؟
لقد درجت العامة على استخدام الحكمة بأكثر من معنى، فهي تقترن عندهم بالمثل (بفتح الميم والثاء) وبهذا المعنى نجد أكثر من كتاب يحمل عنوان"جامع أو مجمع الحكم والأمثال"، كما أنها صنو العلة الغائية وفي ذلك يقولون:"ما الحكمة من كذا؟"، وهي كذلك قرينة العقل السديد، وخير شاهد على ذلك ما نظمه أحدهم قائلًا:
إذا كنت في حاجة مرسلًا فأرسل حكيمًا ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى فشاور لبيبًا ولا تعصه (1)
وثمة دلالات أخرى كثيرة نستطيع أن نقول إنها كلها ذات صلة عميقة بالحكمة، في المدلول الشامل، ولا عجب في ذلك، إذ إننا نعني بها الفلسفة، وكأننا نعود إلى ما انطلقنا منه، وقد عرف (أبو البقاء الكفوي 1028-1094هـ) الحكمة قائلًا:"هي العدل والعلم والحكم والنبوة والقرآن والإنجيل، ووضع الشيء في موضعه، وصواب الأمر وسداده، وأفعال الله كذلك، لأنه يتصرف بمقتضى الملك، فيفعل ما يشاء، وافق غرض العباد أم لا."
وفي عرف العلماء: هي استعمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال قدر طاقتها" (2) ."