مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثالث - السنة الأولى - تشرين الأول"اكتوبر"1980
تتناقل كتب الأدب أن أبا الطيب المتنبي وفد على عدد من الأمراء التنوخيين في اللاذقية، بيد أن هذه الكتب تسمي هؤلاء الأمراء، وتسكت عنهم، ولا تعطي أية تفصيلات موسعة أو تلقى حزمة من ضوء على إمارتهم العربية التي حرمت من الإسهاب التاريخي، وكانت تعاصر إمارة سيف الدولة الحمداني في حلب وفترة الحروب العربية- البيزنطية التي تجددت كأشد ما تكون في القرن الرابع الهجري. وقد تتبعت نشأة هذه الإمارة وعصرها الذهبي ونهايتها، فدونت بعض الملامح التاريخية والأدبية التي قد تساعد على تكوين صورة ما.
وسكنى التنوخيين في اللاذقية تعود إلى عهود قديمة حيث استقر فيها عدد كبير من أسرهم، لا بل إن بعض المؤرخين يرجع هذا الاستقرار إلى عهد الحكم الروماني قبل الإسلام والفتح العربي، غير أن تأسيس إمارتهم في اللاذقية حدث في سنة 249هـ أيام خلافة أحمد المستعين العباسي، ففي هذه السنة -حسب ما يذكر اليعقوبي- وثب"بالمعرة المعروف بالفُصيص، وهو يوسف بن إبراهيم التنوخي، فجمع جموعًا من تنوخ، وصار إلى مدينة قنسرين، فتحصن بها، فلم يزل بها حتى قدم محمد المولِّد، مولى أمير المؤمنين، فاستماله واستمال غطيف بن نعمة، وصار إليه، ثم وثب بغطيف بن نعمة فقتله، وهرب الفصيص، فصار إلى جبل الأسود، واجتمعت قبائل كلب بناحية حمص على الامتناع على المولِّد، فسار إليهم فواقعهم، فكانت عليهم، ثم وثبوا عليه، فهزموه، وقتلوا خلقًا عظيمًا من أصحابه، وانصرف إلى حلب في فُلَّه، ورجع الفُصيص إلى قنسرين، وجرت بينه وبين كلب محاربة، وعزل المولِّد وولي أبو الساج الأشروسنِّي، وكتب إلى الفصيص يؤمنه، وصير إليه الطريق والبذرقة ثم ولاه اللاذقية ونحوها".