مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 80
فهرس العدد
وحدة الوجود عند ابن عربي بين الفكر والشعر ـــ د. عصام قصبجي [1] ... تراه إن غاب عني كل جارحة
اختصم الباحثون ولا يزالون يختصمون حول مذهب وحدة الوجود في التصوف الإسلامي: مصدره، وحقيقته، ومطابقته للفكر الإسلامي؛ إذ ليس ثمة قول فصل يستطيع المرء أن يركن إليه، ولا يمكن أن يكون إلا إذا أمكن أن يكون ثمة قول فصل في الشعر، وما ذلك إلا لأن التصوف شعر الفلسفة، ووحدة الوجود شعر التصوف؛ فالتعبير الصوفي تعبير مجازي عن الحقيقة، والمجاز خيال ينم على الحقيقة، ولكنه ليس الحقيقة، وإذا سلمنا بأن التصوف مثواه القلب، وطابعه الوجد، فليس لنا أن"نبحث"في الوجد، وإنما لنا أن نشعر به. وقد طالما حار الباحثون كلما أرادوا معرفة المذهب الفكري لشاعر من الشعراء، كما حاروا في مذهب الخيام أو المعري يثبتون اليوم ما ينفونه في الغد، أو ينفون في الغد ما أثبتوه في الأمس؛ وذلك أنهم يتابعون متابعة عقلية ثابتة شعورًا قلبيًا متحركًا، ويمكن القول بلغة الفلسفة: إنهم يحولون الزمان إلى مكان، والصيرورة إلى ثبات، والحياة إلى موت، والشعور إلى فكر، وكان"شبنغلر"الفيلسوف الألماني قال: إن ثمة فرقًا بين"متى"و"كيف"، وإن قولنا"متى أبرقت السماء"يختلف عن قولنا": كيف أبرقت"؛ لأن متى تتصل بالصيرورة الحية المرتبطة بالزمان، أما كيف"فهي تحويل الزمان الحي إلى مكان ميت أو"علة"باردة، والمكان أضعف من الزمان دائمًا، لأن الزمان يكتسب قوته من أنه لا يُرد ولا يمكن تحديد اتجاهه، بينما يمكن أن يحاط بالمكان ويعرف ويحدد؛ ومن ثم ما فتئ المكان يروم تحويل الزمان إلى طبيعته بسلبه سر قوته، وكشف نقاب الغموض عنه، وجعله نمطًا مألوفًا قائمًا على العلة والمعلول، وهيهات. [2] "
(1) (*) - جامعة حلب.
(2) انظر: اشبنجلر، د..عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات ودار القلم- بيروت 1982م ص80، 84