مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 60 - السنة 15 - تموز"يوليو"1995 - صفر 1416
فهرس العدد
لم يكن في ذاكرة العائدين من العرب المسلمين إلى القدس تاريخ المعاناة ولا تفصيلات الممارسات التي تعرض لها آباؤهم وأجدادهم العرب في المدينة على أيدي الغزاة: اليهود والرومان وما بينهما من أقوام، ولم يدخلوها بعزة الجاهلية، ولا بروح الانتقام لبني قومهم من العموريين: كنعانيين بشرائحهم الاجتماعية وقبائلهم وتسميات تلك القبائل، وحقوقهم في ديارهم، وإنما دخلوها بتسامح الإسلام وبما أعز به العرب، وبروح من الإيمان رفيع وعميق جسَّد معنى التسامح وقيم الإخاء، ومقومات العقيدة.
كان ابن الخطاب قد قال للمسلمين في الجابية وهو في طريقه إلى القدس:"أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم". وحين رغب بعضهم إليه في اتخاذ مظهر يوحي بعزة المسلمين في نظر سواهم، وفي الروم وسواهم ممن يحتلون الشام مظاهر، قال"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلًا". وأكد لقادة جيش المسلمين حقائق أو ذكّرهم بها، من خلال الخطاب الذي قال فيه لأبي عبيدة بن الجراح:"إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله".
عادت سلطة العرب إلى القدس، واستعادوا هويتها وانتماءها، ولكن من خلال عز الإسلام ومفاهيمه وقيمه وشريعته، وإخال أن رميم عظام الأجداد فيها، منذ ما قبل اليبوسيين إلى يوم دخلها عُمر، قد اهتز وانتعش وارتاح، لأن السلام عاد إلى مدينة السلام، ولأن المظالم التي اكتسحت أرضها مع عنصرية يشوع وأتباعه قد توقفت.