مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 93 و 94 - السنة الرابعة والعشرون - آذار وحزيران 2004 - المحرم وربيع الثاني 1424
فهرس العدد
الغولُ والصُّعلوك تأبَّط شرًَّا نموذجًا شعريًا ـــ د.شريف بشير أحمد ... ويُصبحُ لا يحمي لها الدهرُ مرتَعَا ( [1] )
وأنت تستذكرُ الشعراءَ الصعاليك في العصر الجاهلي يستوقفكَ (تأبّط شرًّا) بلقبٍ تركَّب جملةً تعتصرُ السَّلبية والقَتامةَ في الفعلِ والصفةِ؛ تحوَّلَ به من السُّكونية إلى الحركية، ومن الصَّمت إلى المغالبة، ومن القبولِ والخنوع إلى الرفضِ والمواجهة، ومن الخفاء القميء إلى العَلَنِ الصَّاخب؛ بدلالتين: دلالةٍ ماديةٍ تشيرُ إلى الشخص إشارةً يفتخرُ بها؛ ودلالةٍ معنويةٍ يشعرُ معها الآخرون بالرهبة المرجفةِ؛ في سياق محاورةٍ ذهنيةٍ بين ذاتين: ذاتٍ واعيةٍ تدركُ دورَ الكائن في توجيه مفهوم اللقب بالحدوث المتكرر؛ وذاتٍ مكبوتةٍ واهنةٍ لا تعي وظيفة الفردِ المتمردِ الذي يمنحُ اللقب كينونةً واقعيةً بشخصيّةٍ لها القدرةُ على المجاهرة والمصاولة...
وتعرفُ أنَّ (تأبّط شرًّا) قد نشأ في بيئةٍ مرهقةٍ لشاعرٍ شرودٍ يعشقُ الحريةَ فكرةً ومنهجًا؛ ولا يستقرُّ على نَسَقٍ حياتيٍّ رتيبِ الأنماطِ فخرجَ عن المنظومةِ القبليةِ التي تُشَكِّلُ الفردَ برؤية الجماعة؛ بقوةٍ جسديةٍ ونفسيةٍ، ووعي شعري؛ لم ينسجم بهما مع الأعرافِ والنظمِ السوسيولوجية؛ رغبةً منه في تحقيق ذاتهِ ووجوده؛ ففارقَ القبليةَ التي سنَّت نظمًا هيكليّة لا تقبلُ المخالفةَ والمعارضةَ؛ فارقها إلى أعماقِ الصحراءِ حيث يعيشُ الوحشُ، ينتخبُ لنفسه مجتمعًا بديلًا يختاره بإرادته؛ ويتحررُ فيه من سُلطوية الآخر، وتتفاعلُ فيه الذاتُ مع البيئة تفاعلًا يخلقُ عالمًا تتذاوبُ فيه المتناقضات:
يَبيتُ بمغنى الوحشِ حتى ألِفْنَهُ
وأينَ فتىً لا صيد وحشٍ يهمُّهُ ... فلو صافحت إِنْسًَا لصافحنه معًا