مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 27 و 28 - السنة السابعة - نيسان وتموز"أبريل ويوليو"1987 - شعبان وذو القعدة 1407
كان العربي القديم، الضارب في الفلوات والقفار، المشغول بالكَرّ والفَرّ والترحال، يستقر في دعة واقتناع بمنجعٍ ما من الأرض إذا وجد الكلأ والمرعى الخصيب والكفاية من الماء. ومن هنا نقع في كتب الأدب والبلدان على تسميات مختلفة تشير إلى هذا الاستقرار في مثل قولهم: أرض بني فلان، وجبل بني فلان، وماء بني فلان.. وكانت أمثال هذه المواضع مقرًّا أو (قاعدة) إلى حين، وربما منطلقًا إلى الغزو والصيد. فإذا انحبس المطر وحاق بذلك العربي القحط والجدب والجفاف شدَّ الرحال إلى بقعة أخرى أو منجع بديل.
وفي حالي الحل والترحال كان سيفه أداة الفعل والدفاع ووسيلة شقِّ الطريق إلى حيث تصلح الإقامة ويمكن العيش، كما كان دارئةَ المخاطر في الاستيطان والذود عن مضارب القبيلة وحرماتها. وإبان ذلك كله كان كثيرًا ما يطلق لسانه بالشعر، ويُسرِّي به عن نفسه وقومه، ويلتمس في نظمه العزاء والسلوان: في الحب والفخر والفروسية والدفاع عن القبيلة في مواجهة الشعراء الآخرين. كان للحرب واختلاط الدماء ينتضي سيفه ويشهره على الخصوم، وللمنافرة والمفاخرة يجرد لسانه ويشحذه ثم ينبري منافحًا به يذب عن العِرْض والأحساب، ويعدد مناقب قومه ومثالب خصومهم. وفي حمأة هذا الصراع الحربي واللساني نبتت بذور العصبية القبلية الأولى، إذ كانت القبيلة تستظهر بشاعرها وتستنهض همة لسانه ليذود عنها فتنقي به أذى شعراء القبائل المعادية لها، والشعر سلاح ماض تدفع به القبيلة عن نفسها غائلة المتصدين لهجائها وتقارع به شعراء القبائل المناوئة لها (1) .