مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 70 - السنة 18 -كانون الثاني"يناير"1998 - رمضان 1418
فهرس العدد
نظرية المعرفة في الفكر الصوفي (ابن الخطيب نموذجًا) ـــ عبد الرحيم علمي بدري (المغرب) ... بفكر رمى سهمًا فعدى به عدنا
مدخل:
يفرض التفكير الفلسفي بشكل عام على الباحث ثنائية قطبية تتميز بالتلازم- حضورًا وغيابًا- في مجمل قضاياه المطروحة، وفي اللحظة نفسها بالتضاد المطلق سواء على مستوى الوجود، أو على مستوى وسائل الإدراك التي يتم توظيفها لحصر هذا الوجود. إنها ثنائية: الله/ الإنسان، اللاهوت/ الناسوت، القديم الأزلي/ المحدث، الغيب/ الشهود، المطلق/ المحتمل، الوحدة/ التعدد.. إلى غير ذلك من المصطلحات والمفاهيم التي تتعدد بتعدد الحقول المعرفية النظرية، ونوعية التجارب الفكرية والروحية المعيشة في هذا الإطار.
ومن بين الإشكاليات التي ظلت خاضعة في كليتها لهذه الثنائية القطبية، إشكالية المعرفة، من حيث الماهية والمرجعيات التي تؤسس عليها، وكان الصوفية على رأس فلاسفة الإسلام في تناولها.
فالتجربة الصوفية (على تفاوت في العمق الرمزي والخيالي) بدون استثناء تجربة فلسفية بالدرجة الأولى، حتى في تجلياتها البسيطة ذات الطابع ا لسطحي الحريصة على تفادي المواقف الفقهية المتشددة، أي ما اصطلح على تسميته بـ"التصوف السني". والرجل الصوفي صاحب إحساس عميق بقصور قواه المعرفية. وانطلاقًا من هذا الإحساس تتنامى لديه_ بالتدرج عبر مراحل السلوك- رغبة جامحة في الانعتاق من ذلك القصور البشري والانطلاق نحو كلية المعرفة ولا نهائيتها، الشيء الذي يستدعي بالضرورة الاستناد إلى مرجعية ذات أصول غيبية"مطلقة"، وهذا بالذات ما أطلق عليه الصوفية:"المعرفة"أو"العلم اللَّدُنِي" ( [1] ) .