مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 76 - السنة 19 - تموز"يوليو"1999 - ربيع الأول 1420
فهرس العدد
المقدمة:
سنحاول في هذه المقالة أن نعارض ما يذهب إليه مؤرخو الطب الغربيون من أن المسلمين تعلموا الطب اليوناني، بعد أن تمتّ ترجمته في بغداد، بفضل إنشاء (بيت الحكمة) ، وسنحاول أن نبرهن على أن المسلمين تعلموا (الطبّ العملي) في مصر والشام والعراق، في أيّام الفتح الأولى، ذلك أن الطب في تلك البلاد كان راقيًا جدًا، بل كان أرقى فن في بقيّة أرجاء الإمبراطورية البيزنطية.
وسبب ذلك أن الإسكندرية والمدارس الطبية السريانية في بلاد الشام (حرّان، نصيبين الرها، وجند يسابور) كانت ما تزال تحافظ على (الطبّ النظري) الإغريقي، الذي انحدر مستواه في الأقطار الأخرى من الإمبراطورية البيزنطية فالمسلمون تعرّفوا أولًا (الطب العملي) قبل عصر الترجمة، ولم يتعرفوه بعد عصر الترجمة، أو نتيجة لهذه الترجمة.
وسنحاول أن نبيّن أن بحث العرب عن كتب الطبّ الإغريقية، وحرصهم على ترجمتها، كان نتيجة لارتقاء المعارف الطبية العملية عندهم في فجر الإسلام، وليس سببًا لنشوء هذه المعارف.
إن حرص العلماء العرب على تعرف (الطب النظري) من مصادره الإغريقية كان نتيجة لإعجابهم بهذا (الطب النظري) ، الذي عرفوا شيئًا عنه في مصر والشام والعراق، لذلك أصرّوا على ترجمة تلك (المصادر) .
تعرّف المسلمون أولًا (الطب العملي) أي (الممارسة العملية) ، ومنها عرفوا الكثير عن (الطب النظري) ، فأدركوا أهميته وأرادوا معرفته معرفةً مباشرة من ينابيعه، لذلك قرّروا ترجمته.