مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 74 - السنة 19 - كانون الثاني"يناير"1999 - رمضان 1419
فهرس العدد
يبدو أن الانتفاضات والثورات، وغيرها من أشكال الرفض والمقاومة (ثورة البابكيين- ثورة الزنج- ثورة القرامطة- تمرد الشطار والعيارين...الخ) التي عصفت بالمجتمع العربي الوسيط، جعلت أسس النظام الاجتماعي القائم آنذاك عرضةً للاهتزاز والاختلال، وبدأ التصدع يتسرب إلى إيديولوجيته الدينية التي كانت السند الحقوقي الأساسي لسلطة الخلافة وسيطرتها السياسية (1) .
كما أن التطور الذي طرأ على الساحة الثقافية العربية بسبب تبدل ظروف حياة العرب، وأوضاعهم، واتصالهم الحضاري بالأمم الأخرى، والتفاعل الخلاق بين ثقافتهم في مراحل نموها وتطورها وبين علوم الأوائل الطبيعية والفلسفية، جعل الركون إلى إيديولوجية تقوم على وحدانية الحقيقة كما حددها القيّمون على تفسير الشريعة، أمرًا متعذرًا، ولا يفي بمتطلبات العقل.
لذلك اقتضى الأمر أن ينطلق العقل العربي من منطلقه الخاص، وليس من المسلمات الدينية الرائجة، سالكًا في البحث والمعالجة منهجًا يستمده من النظر في الوجود بمعناه الأشمل، مستقلًا عن المقولات اللاهوتية المعتمدة، ومعتمدًا المقولات التي يستنبطها هو من ديالكتيك العلاقات مع الوجود الواقعي، فآذن ذلك بميلاد فكر من نوع آخر يقوم على وحدانية الحقيقة التي يصل إليها البحث العقلي الحرّ في مسائل الوجود، من دون اعتماد المصادر الغيبية للمعرفة، لاسيما وأن علم الكلام الذي نما وازدهر في فترة من الفترات أصبح عاجزًا عن الاستجابة لمقتضيات ذلك التطور، وعائقًا ومعرقلًا لنمو الفكر الجديد.
وقد ترتب على ذلك أن شقّت النزعة العقلية الجديدة طريقها باستقلال عن أية طريقة معرفية أخرى سائدة. وقد تبوأ الفيلسوف العربي ابن رشد مركز الصدارة في هذا المجال.