مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 39 و 40 - السنة العاشرة - نيسان وتموز"ابريل ويوليو"1990 - شوال 1410 ومحرم 1411
فهرس العدد
إذا قصرنا حديثنا على العصور التاريخية، فإن معالجة موضوع الزراعة في بلاد ما بين النهرين تعني الإحاطة بموضوع يتناول، في الواقع، الفعاليات البشرية جميعًا، وذلك منذ أكثر من خمسة آلاف عام في منطقة حالفها الحظ؛ فلم يكن من المستحيل أن تولد حراثة الأرض في ظروف حسنة جدًا، وعلى نطاق لا مثيل له، بفضل خصال أولئك الذين نذروا أنفسهم لها من جهة، وبفضل تضافر الشروط اللازمة لذلك من جهة أخرى.
الموقع الجغرافي:
واسمحوا لي أن أبدأ بمسح الموقع الجغرافي، وأن أفرق بين المناطق الصالحة للزراعة الكثيفة التي تنامت فيها الزراعات الواسعة، وتلك التي ربما ساعدت فيها الزراعات المبعثرة -في سنة ممتازة- على مدّ البدو الرحَّل بالغذاء. وسأتفحص باختصار الجزاء الذي تقدمه الأرض لأولئك الذين يستثمرونها أي أولئك الذين يزرعونها ويجنون حاصلاتها الطبيعية التي تشمل المحاصيل التي تزرع بدراية وعن قصد، والمحاصيل التي تجنى من حين إلى آخر دون أي جهد. وقبل أن أشرح كيف يتم الحصاد ومتى، وبالقدر المستطاع كيف كان يحفظ الغذاء ومتى؟ ولأي قصد؟ ولمن؟ سأتحدث عن المالكين والمستأجرين وكذلك عن المشاركة في المحصول، وسأبين تأثيرات فلاحة الأرض في العلاقات الاجتماعية.
وسأدرس الربع الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، وهي حقبة يتوافر لدينا عنها قدر من الوثائق المتنوعة.