مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 69 - السنة 18 - تشرين الأول"اكتوبر"1997 - جمادى الآخرة 1418
فهرس العدد
الحقيقة و الشريعة عند ابن رشد ـــ د.أحمد برقاوي ... لما علا في الزمان جدك
ليس ابن رشد بغائب عنا هذه الأيام، بل قل إنه أكثر حضورًا في آننا من زمانه.
وآية ذلك أن قضية العقل والنقل أو الحقيقة والشريعة أو النص والتأويل قد عادت للظهور ولكن في حقلٍ أوسع من ذلك الذي تحركت به قديمًا. والمندرجون في المعركة هم أكثر عددًا من ذي قبل، والبعد السياسي للقضية يضفي عليها صبغة ايديولوجية عملية. وأدوات البحث فيها قد تعددت واغتنت بمنجزات مناهج البحث في العلوم الإنسانية.
أجل عشرة قرون تفصلنا عن ابن رشد. عشرة قرون لم تحل دون عودة دلالة"فصل المقال"إلى الظهور مرة أخرى.
وإذا كنا ننشغل بمشكلة العلاقة بين الحقيقة والشريعة الآن فهذا ليس من قبيل الترف الفلسفي. أو من قبيل النزوع الأكاديمي لدراسة تاريخ الفلسفة، بل هو انشغال بمشكلة راهنة جدًا وهذا لعمري هو الذي يعطي للنظر في ابن رشد المعنى.
وإذا كان البعض من الدارسين لابن رشد قد انشغل بميتافيزيقاه والبحث فيها عن نسق فلسفي مادي ليعزز فكرة مسبقة لديه حول العلاقة بين المادة والوعي، فإن عدم الوقوف عند ما هو أصيل في فلسفة ابن رشد -وأقصد قضية العقل والنقل- قد حال بين الفكر العربي وبين النظر في المشكلات المعيشة وإغنائها.
وإن ما نطمح إليه في مقالنا المتواضع هذا هو استعادة التجربة الرشدية على ما هي عليه، تجربة حرية العقل والإنسان في التجول في عالم النص والحقيقة. دون أية أفكارٍ مسبقة نسعى لتفصيل ابن رشد على قدها.
فأين تكمن أصالة التجربة الرشدية.
عاش ابن رشد محنة الفيلسوف العقلي وكتب أبو الحسين من وحي المحنة في حق ابن رشد قائلًا:
لم تلزم الرشد يا بن رشدٍ
وكنت في الدين ذا رياءٍ ... ما هكذا كان فيه جدك. (1)