فهرس الكتاب

الصفحة 11947 من 23694

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 54 - السنة 14 - كانون الثاني"يناير"1994 - شعبان 1414

فهرس العدد

بلاغة على بَلاغَة - مُنذر شعّار [1] ... وجدِّك لم أحفل متى قام عُوَّدي

في مطاوي أدبنا العربي الخصيب فن خفي ظاهر، يُلحظ ويتجاوز ويُشم أريجه ولا يؤكل نضيجه، وذلك هو ما نسميه"بلاغة على بلاغة"، وهو أن يسمع أديب قولًا لأديب، أو شعرًا لشاعر، بليغًا آسرًا، فيعلق عليه بقوله: من عنده، بليغ آسر، من فوره دون إبطاء، كالمرتجل غير المتلبث. فيكون من ذلك إقناع عريض، ولذة أدبية آخذة بالمجامع، وتتحصل قطعة أدبية، من نصين في عصرين، أو عصر، وقد يكون بين العصرين ذَيْن تراخ وقد يكون قرب، وهذه القطعة الأدبية المتحصلة هي هذا الفن الجديد الممتع الذي فيه إلى جانب الجمال التعبيري، والبيان المعجب، فيض الروية، وسبق البديهة، وإن المقام هنا يقتضي أن التعليق يكون موجزًا خاطفًا، لكنه فخم رائع، فهو نص كامل في الجمال والرونق والبهاء ومِلْكِ النفس، مع أنه إشارة دون الإشارة.

وهذا شيء من عبقرية هذه اللغة، وسبق هذا البيان العربي، وكفاية أدبائه حُكْمًا وعلمًا.

من ذلك ما روي أن سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سأل رجلًا عن أمر من الأمور فقال له:

ـ أكان كذا وكذا؟..

فقال:

ـ لا عافاك الله يا أمير المؤمنين.

فقال عمر:

ـ قد عُلِّمتم فلم تتعلموا؛ هلا قلت: لا (و) عافاك الله؟!..

هذا هو النص الأول من القطعة الفنية التي نراها من باب (بلاغة على بلاغة) ، وهذه هنا هي البلاغة الأولى، وصاحبها سيدنا الفاروق رضي الله عنه، فقد لاحظ أن الرجل قال ولم يفصل بين (لا) و (عافاك) بفاصل، فتُقرأ العبارة... أو تُسمع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت