مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون
فهرس العدد
حلب في مئة عام 1850- 1950 ـــ محمود محمد أسد* ... ولا تَخْشَ من الفُرَص الفواتا
حلب المدينة التي تلتصق بالتاريخ وتمتدُّ جذورها في أعماقه، المدينة التي تفتح أبوابها وتشرع نوافذها لتنهل ذاكرة القرون منها، حلب التي يفوحُ بين جدرانها وأزقِّتها وقباب مساجدها وأسوار أبوابها عبق رجالاتها و أيّامها.
إنّها مدينة لم تزل تنسجُ رداء البقاء والخلود وتبسطُ رداءها السحريَّ الفاتنَ لمنْ يريد أن يتفّيأ في ظلالها، وينعم بدفء ترابها وطيب طباعها. أسوارها وأزقّتها القديمة وأسواقها تخفّف عنك حرّ صيفها، وحجارتها وآثارُها تثير فيك الإعجاب والدهشة فتنسيكَ برد شتائها، فتبعثُ فيك الدفء والحرارة وأنت ترنو هنا وهناك..
الوافدون يحجُّون إليها، يدعوهم الحبّ والرغبة في كشف أسرارها وأعماقها.. قيل فيها الكثير، وأنطقت الكثير من المهتمّين المتابعين، فجذبتهم من كلّ جهات المعمورة، فوراء كلّ باب حكايةٌ، وخلفَ كلِّ سورٍ تاريخٌ، يمكنه البوح، ويستدعي البحث والتنقيب، ويلفت الأنظار للاهتمام والرعاية، إنّ عظمة أيّة مدينةٍ تكمن بما تعطي، وبما بقي من عطائها الإنسانيّ، وبما قدّمت للمجتمعات البشرية عبر التاريخ وهذا ينطبق على حلب التي ما زالت تنبض بالحياة، تنبض بالعشق والدفء، فتمدّ الآخرين بنسغ العطاء المتجدّد، وتبعث في أبنائها روح العطاء والتحدّي برغم عاتيات الزمان والقرون.
كلُّ هذا لأنّها مدينة تعانق الماضي والحاضر عناق الوليد لأمّه، ولأنّها فوق ذلك تملك سحر الشرق وروعته، فتغنّى بها الشعراء والمبدعون، وأشاد بها الزائرون، واستوطنها العابرون لما وجدوا فيها من أمنٍ وأمانٍ وحبٍّ ومساحة للعطاء الجميل الغنيّ الذي يجد من يقدّره وينصفه.