مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 80
فهرس العدد
كانت الدولة العباسية تمتد من حدود الصين وأواسط الهند شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، ومن المحيط الهندي والقرن الأفريقي جنوبًا إلى بلاد الترك والخزر والروم والصقالبة شمالًا، وبذلك كانت تضم بين جناحيها بلاد السند وخراسان وماوراء النهر وإيران والعراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر والمغرب العربي. وهي أوطان كثيرة، تعيش فيها منذ القدم شعوب وأقوام وجماعات متباينة في الجنس واللغة والثقافة، غير أنها لم تكد تدخل في نطاق الثقافة العربية حتى أخذت عناصرها المختلفة تمتزج بالعنصر العربي امتزاجًا قويًا، فإذا بنا إزاء حضارة تتألف من أجناس وعناصر مختلفة، فمضت هذه الأجناس تنصهر في الوعاء العربي حتى غدت كأنها جنس واحد.
وقد تميّز العصر العباسي باختلاط كبير بين الأمم المفتوحة وامتزاجها في السكن والمصاهرة وفي الحياة الاجتماعية والمهن والحرف.. الخ، بحيث غدت أحياء المدن الكبرى تعجّ بالعرب والهنود والأحباش والفرس والترك والأكراد والأروام والأرمن وغيرهم، وبحيث أصبح العربي خالص الدم في بغداد (عاصمة العباسيين) نادرًا، فالكثرة الكثيرة من أبناء العرب كانت أمهاتهم من السنديات أوالفارسيات أو الحبشيات أو التركيات، وكذلك الشأن في الخلفاء أنفسهم.
وكان وراء هذا الامتزاج الدموي بين العناصر والشعوب والأقوام المختلفة امتزاج روحي عن طريق الولاء الذي شرعه الإسلام، والسياسة الحكيمة، التي قامت على التسامح والاحترام المتبادل، فتحول الولاء إلى الكيان الواحد إلى رابطة تشبه رابطة الدم، فالشخص يكون فارسًا أو هنديًا أو روميًا أو حبشيًا ويكون عربي الولاء، بل إن الرقيق كانوا بمجرد تحريرهم يصبحون موالي لأصحابهم ويُنسبون إلى القبائل العربية مثلهم مثل أبنائها الأصليين.