مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 64 - السنة 16 - تموز"يوليو"1996 - صفر 1417
فهرس العدد
لو استطاع الناس تنظيم شؤون حياتهم وفقًا لخطة مرسومة، أو كان الحظ مواتيًا لهم على الدوام، لما وقعوا فريسة للخرافة، ولكننا كثيرًا ما نراهم وقد وقعوا في مأزق يبلغ من الحرج حدًا لا يستطيعون منه خلاصًا، ولما كانوا يتقلبون بلا هوادة بين الخوف والرجاء لحرصهم الشديد على النعم الزائلة التي يجلبها القدر، فإنهم يميلون دائمًا أشد الميل إلى التصديق الساذج. فإذا ساورهم الشك في شيء حركهم أقل دافع إلى هذا الجانب أو ذاك، لا سيما عندما يكون الدافع لهم هو الخوف أو الرجاء، أما في لحظات الثقة بالنفس فيركبهم الزهو والغرور، وهذا أمر لا يجهله أحد، وإن كان معظم الناس لا يطبقونه على أنفسهم. ولا يوجد شخص واحد عاش بين الناس إلا لاحظ أن معظمهم، حتى أقلهم خبرة، يفيضون في أيام الرخاء حكمة، حتى إن مجرد توجيه النصح لهم يعد إهانة. أما في وقت الشدة، فيتغير كل شيء، إذ لا يعرفون ممن يطلبون النصح وهم يلتمسونه من كل من يصادفهم، ويعملون بأشد النصائح بطلانًا وتناقضًا وزيفًا. من ناحية أخرى، تكفي أقل الدوافع شأنًا لتثير فيهم الخوف أو الرجاء. ففي حالة الخوف مثلًا، إذ أثارت فيهم حادثة ما ذكرى سارة أو مؤلمة، فإنهم يرون فيها علامة لنتيجة سارة أو مؤلمة، لهذا السبب فإنهم يتحدثون عن الفأل الحسن أو السيئ، مع أن التجربة قد كذبته مئات المرات. وإذا أثار منظر غير مألوف دهشتهم، فإنهم يظنون أنهم شهدوا إحدى الخوارق.