فهرس الكتاب

الصفحة 13519 من 23694

ولما كان الخوف سبب الخرافة، وليس سببها فكرة غامضة عن الألوهية موجودة في أذهان البشر، فإننا نلحظ أن كل الناس، يميلون إليها بطبيعتهم، كما نلحظ أنها لا بد أن تكون متغيرة ومتقلبة إلى أقصى حد، شأنها في ذلك شأن معظم أوهام النفس ودوافع الجنون. ونلحظ بالتالي أن الخرافة لا تعتمد إلا على التمني والحقد والغضب والخداع، لأنها لا تقوم على العقل، بل تقوم على الانفعال وحده. وعلى ذلك فكلما استسلم الناس بسهولة إلى جميع أنواع الخرافات، صعب عليهم التمسك الدائم بواحدة منها. ولما كان عامة الناس أشقياء دائمًا فإنهم لا يصلون أبدًا إلى حالة رضا دائمة، ولا يجدون تخفيفًا لشقائهم إلا بأوهام جديدة، يسعدون بها لأنها لم تخدعهم بعد. وقد كان هذا التقلب سببًا في اضطرابات عديدة وحروب بشعة، يتضح إذن، وكما لحظ كوينتوس كوريتوس بدقة، أن الخرافة، هي أكثر الوسائل فاعلية لحكم العامة، ولذلك كان من السهل، باسم الدين، دفع العامة، تارة إلى عبادة الحكام كأنهم آلهة، ودفعهم تارة أخرى إلى كراهيتهم، وكأنه طامة كبرى على شعوبهم. وتجنبًا لهذا الشر، اتجهت العناية، بحرص شديد، إلى تجميل الدين، بالشعائر والمراسم التي تزيد من أهميته، وتضمن له احترامًا دائمًا بين المؤمنين.

من جهة أخرى، إن سعادة الفرد ونعيمه الحقيقي، لا يكونان إلا في تمتعه بالخير، لا في فخره بأنه وحده الذي يتمتع به مع استبعاد الآخرين. ومن يظن أنه حصل على سعادة أكبر، لأنه وحده في حالة طيبة، على حين أن الآخرين ليسوا كذلك، أو لأنه يتمتع بسعادة أكبر، أو لكونه أسعد حظًا من الآخرين، ومثل هذا الشخص، يجهل السعادة والنعيم الحقيقي. فالفرح الذي يشعر به المرء نتيجة لاعتقاده أنه أسمى من الآخرين، إن لم يكن شعورًا طفوليًا، فإنه لا ينشأ إلا من الحسد أو القلب الحاقد. مثال ذلك، أن الهناء الحقيقي وسعادة الإنسان لا يكونان إلا في الحكمة وحدها ومعرفة ما هو حق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت