مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثاني - السنة الاولى - أيار"مايو"1980
إن ميزة من ميزات الحياة الثقافية والحركة الفكرية في القرون الأولى للدولة العربية كان اللقاء الحر بين الأديان المختلفة ولا سيما لقاء الفكر الإسلامي مع الفكر المسيحي في دمشق (في القرن الثاني هـ) وفي بغداد (في القرن الثالث هـ) . واستفاد كلاهما من هذا اللقاء في المجالات المختلفة من الفكر الديني، فائدة قصوى. وكان هنالك شخصيتان بارزتان تمثلان الفكر اللاهوتي المسيحي في هذا الحوار، وهما يوحنا الدمشقي (54-127هـ) وثاودورس أبو قُرَّة (128-203هـ) . (1) وبينما كان يوحنا الدمشقي مفكرًا مسيحيًا يكتب باللغة الإغريقية، نلقى في شخصية ثاودورس أبي قرة أول مفكر مسيحي عربي يتناول القضايا اللاهوتية باللغة العربية. غير أن أهميته لا تنحصر في ذلك وإنما هو من رواد ترجمة مؤلفات أرسطو إلى اللغة العربية (2) فمكنته ألفَتُه لفكر أرسطو من الاستعانة بمناهج جديدة في معالجة القضايا اللاهوتية لم يسبقه إلى استعمالها غيره من المفكرين العرب. ولما كان هو من ذلك الجيل الذي بلغ اللغة العربية ذروة ازدهارها وقمة ازدهائها، فقد كانت دراسة مؤلفاته بالغة الأهمية للغة العربية اللاهوتية في الوقت الحاضر. ونظريته في المعرفة تطلعنا أكثر من أي شيء آخر على منهجه اللاهوتي وطرقه في التفكير، وفضلًا عن ذلك نتلمس من خلالها تفاعله مع الحركة الفكرية في عصره، هذه الحركة التي كان يغلب عليها طابع المعتزلة فنتبين في مؤلفاته نوعًا من رد الفعل على الفكر الاعتزالي.