مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 91 - السنة الثالثة والعشرون - أيلول"سبتمبر"2003 - رجب 1424
فهرس العدد
لا ريب في أن الحديث عن المقامة القردية التي تخيرتها موضوعًا للدراسة والقراءة والتذوق، يقتضي من الجهة الصورية شيئًا من القول المعاد في تعريف المقامات، ونشأتها في العصر العباسي، وأغراضها، وأنواعها، وطبيعتها الفنية والسردية، ولا شك أن شيئا"من الحديث عن بديع الزمان سيوضح لنا رسالته العلمية والحضارية التي أودعها مقاماته وقد شرح فيها طبيعة الحياة في العصر العباسي، وهي تظهر قوة وتخفي تكلفًا، وتبدي إيمانًا وتبطن زندقة، وتدعي زهداَ وتضمر جشعًا. لكن دراسة المقامة وتحليلها لن تقف على ذلك إلا بمقدار ما يمس محيطُ القراءة فكرة المقامة وبناءها؛ لأن المقامات كانت تصور انشطار الشكل عن المضمون، واختلال التوازن بين النظرية والواقع، والاعتناء بالشكل على حساب المضمون، ولك أن تنظر في كتاب أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي (1) ، لتعلم مقدار الخليج الفاصل بين الرؤية والواقع، وتعلم مساحة الخلخلة بين الشكل والمضمون في فن المقامات، وكان فنها عباسي النشأة والموضوع والجوهر والشكل."
ولسوف تقف هذه الدراسة على بعض هذه المعاني بمقدار حاجة دراسة منهج بناء المقامة القردية، لبديع الزمان الهمذاني (2) ( - 393هـ ) إليها، وذلك يوجب إثبات نص المقامة أولًا؛ ليكون البحث في نص حاضرٍ، وتزداد مشاركة المتلقي فيه، ويقضي بعرض آراء بعض الباحثين المعاصرين فيه لتفتح الدروب إليه ثانيًا، وتعرف مواضع التجديد والتقليد، والفروق بين نظرة تستغرق النص برؤية كلية شاملة، وأخرى تقتبس منه جزئية تحملها لغرض من أغراض البحث، وإثبات تحليل النص ثالثًا لنقدم وجهًا من وجوه التأويل، ولونًا من ألوان التذوق.