مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 91 - السنة الثالثة والعشرون - أيلول"سبتمبر"2003 - رجب 1424
فهرس العدد
علم السيمياء في التراث العربي ـــ د.بلقاسم دقّة* ... لَهُ سيمياءٌ لا تَشُقُّ على البصر
مقدمة:
لم يكن علم السيمياء وليد العصر الحديث كما يزعم بعضهم، بل هو قديم النشأة؛ فقد اهتم القدامى من عرب وعجم بهذا الجانب من علوم اللسانيات منذ أكثر من ألفي سنة. لقد أفرد الفيلسوف أفلاطون هذا الموضوع في كتابه «Cartyle» ، وأكد أن للأشياء جوهرًا ثابتًا، وأن الكلمة أداة للتوصيل، وبذلك يكون بين الكلمة ومعناها، أي بين الدال (Signifiant) والمدلول (Signifie) تلاؤم طبيعي (Justesse naturelle) ، فلهذا كان اللفظ يعبر عن حقيقة الشيء. وقد أشار أفلاطون إلى ما تمتاز به الأصوات اللغوية من خواص تعبيرية، أي العلاقة الطبيعية بين الدال والمدلول. ولذلك كانت الأصوات أدوات تعبير عن ظواهر عديدة (1) ، تلتقي فيها لغات البشر باعتبارها ظاهرة إنسانية.
وقد ربط علماء العرب قديمًا بين هذه المعطيات وبين ما أسموه بعلم أسرار الحروف، أي: علم السيمياء. وقد تعددت في ذلك دراسات الحاتمي، والبوني، وابن خلدون، وابن سينا، والفارابي، والغزالي، والجرجاني، والقرطاجني، وغيرهم.
ولهذا يمكن القول: إن دراسات النظام الإشاري في التراث العربي هي دراسة قديمة قدم الدرس اللساني، إلا أن الأفكار والتأملات السيميائية التي وصلت ظلت في إطار التجربة الذاتية، ولم تتجسد في إطار التجربة العلمية الموضوعية. ومن ثم فالمنطلقات السيميائية للدراسة العربية تنقصها الإجراءات التطبيقية الموسعة.