مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 74 - السنة 19 - كانون الثاني"يناير"1999 - رمضان 1419
فهرس العدد
أريد أن أتوقف عند المجالات التي عمل فيها عقل ابن رشد وعند الحدود التي رسمها لهذه المجالات وبقي متقيدًا بها في أعماله الفكرية. بداية يمكن تقسيم أعمال ابن رشد إلى قسمين:
الأول: أعمال على أعمال الآخرين درسًا وتلخيصًا وتفسيرًا.
الثاني: أعمال يبني فيها مواقفه الفقهية والفلسفية من مجمل الأمور المطروحة على الساحة الثقافية.
من الطبيعي أن نحاول التعرف على حدود العقل الرشدي من خلال القسم الثاني من أعماله وبخاصة من خلال ثلاثيته الشهيرة: فصل المقال، تهافت التهافت، والكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة.
أول ما نستنتجه من قراءتنا لهذه الكتب الثلاثة، التحرك المنضبط للعقل الرشدي بين كمالين: الكمال الشرعي والكمال الفلسفي. العقل الرشدي مؤمن بهذين الكمالين من دون أدنى شك، وكل جهوده انصبت في الدفاع عنهما وفي كشف المطابقة بينهما. لقد كمل شرع الله مع النبي محمد خاتم النبيين المرسلين، وكملت الفلسفة مع آخر"أنبيائها"أرسطو، وليس للخلف إلا ممارسة الفقه، فقه الشريعة وفقه الفلسفة. وابن رشد، من بين هؤلاء الفقهاء، كان الأكثر التزامًا والأكثر استيعابًا.
استوقفني عنوان مقالة لابن رشد أوردها ابن أبي أصيبعة في معرض الكلام على مؤلفات أبي الوليد:"في فسخ شبهة من اعترض على الحكيم وبرهانه في وجود المادة الأولى، وتبيين أن برهان أرسطو طاليس هو الحق المبين" (1) . ومن خلال قراءة أعمال ابن رشد نستنتج اقتناعه وإيمانه بأن كل براهين أرسطو وكل فلسفة الحكيم هي الحق المبين. لقد وضع أرسطو كل ما يحتاجه النظر الفلسفي من أدوات (علوم المنطق) وكان هو أول من استخدم علوم البرهان في تحصيل المعرفة، ولذلك أتت حكمته النظرية والعملية في الغاية من الاكتمال.