فهرس الكتاب

الصفحة 15645 من 23694

وانطلاقًا من كون الحكمة هي الحق المبين الذي تحتاجه كل الثقافات، ولأن الدولة الموحدية التي عاش ابن رشد في كنفها كانت تجل الفلسفة والفلاسفة وتعقد المجالس للنقاش والحوار حول مسائلها، بحضور السلطان وأعوانه الذين كان لهم إلمام واسع بالثقافة الفلسفية، ولأن ابن رشد كان يمتلك فطرة فائقة عزّ نظيرها، نقل إليه صديقه ابن طفيل ما سمعه من أمير المؤمنين:

"سمعت أمير المؤمنين، يقول ابن طفيل، يتشكى من قلق عبارة أرسطو، أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخّصها ويقرّب أغراضها بعد أن يفهمها فهمًا جيدًا، لقرّب مآخذها على الناس" (2) .

وهكذا"صار مستحثًا من خارج، ضميمة للباعث الأصلي من الباطن" (3) ، تقريب أغراض فلسفة أرسطو بعد فهمها فهمًا عميقًا. لقد أنجز ابن رشد هذه المهمة على أفضل وجه ممكن، بعد ما أعطاها الكثير من وقته وجهوده، درسًا وتلخيصًا وتفسيرًا لنتاج أرسطو ومن تبعه من المشائين، بالإضافة إلى بعض مؤلفات أفلاطون. وما من شك في أن ابن رشد كان له دور مهم في تقديم أرسطو الواضح والمفهوم ليس فقط للثقافة العربية بل للثقافة العالمية بعامة.

إذن العقل الرشدي شرح المفاهيم الفلسفية الأرسطية وما دار في فلكها، وأجاد في ذلك أيما إجادة. إلا أن مهمة أخرى كانت بانتظار ابن رشد الفقيه، قاضي إشبيلية وقرطبة.

صحيح أن السلطة الموحدية تتبنى الفلسفة في استراتيجيتها الثقافية، لكن الساحة العربية الإسلامية لها موقف مختلف. فالفقهاء الأشاعرة الذين يهيمنون على هذه الساحة أفتوا بتحريم النظر الفلسفي والتداول بعلوم الأوائل. بحجة خطرها على الدين الحنيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت