مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 75 - السنة 19 - نيسان"إبريل"1999 - ذو الحجة 1419
فهرس العدد
أدب الفئات الهامشية في العصر العباسي ـــ أحمد الحسين ... أو مُجملًا متطوّلا
من يمعن النظر في الدراسات والأبحاث المعاصرة، التي صدرت على مدى نصف قرن وأكثر، يخرج بانطباع راسخ، أن هذه الدراسات لم تتعامل مع الأدب في عصوره المختلفة، برؤية شمولية، تنطلق من اعتبار أنَّ الأدب والحياة صنوان، وأن الأدب-شئنا أم أبينا- ثمرة من ثمرات التفاعل المهادن أو المشاكس بين الأديب والمجتمع.
ولمسوغات جمالية ونقدية، واجتماعية، وقعت عشرات الدراسات، والأبحاث في مكبّ الانتقائية المكررة، فلم تقدم لنا لوحة عامة، تستوفي كل مظاهر الأدب، التي كانت سائدة في عصر من العصور. بل اهتمت بجوانب، وأسقطت أخرى، وأبرزت أسماء، وأغفلت سواها. ورفعت من قيمة تيارات، وحطّت من شأن أخرى.
وفي ظل نظرة متحيزة لفنون الأدب الرسمي، وما دار في فلكه، فإن الغبن كان من نصيب التيارات، والظواهر الأدبية، التي نشأت في بيئة العامة، وترسّبت في أرضية القاع الاجتماعي.
ولتقريب هذه الصورة إلى الأذهان نأخذ من بين عصور الأدب العصر العباسي الذي كان يمور بكل ما هو جديد في الأدب والحياة. ولكن الموقف المتعالي، أو المنحاز حال دون اكتشاف ما كان يجري في ذلك العصر. ويأخذنا العجب حين نقارن بين مواقف مجموعتين من الأدباء قديمًا، وحديثًا، في رصد مثل هذه الظواهر الشعبية، فلقد كان الجاحظ، وبديع الزمان، والحريري، والثعالبي، والتوحيدي أكثر معاصرة من بعض أدبائنا المحدثين، وأوسع أفقًا، وأعمق رؤية، في عنايتهم بتيارات عصرهم، وبذلك عبّروا عن نزعة شعبية، وواقعية من خلال اهتمامهم بأدب الفئات الدنيا، أو من خلال رصدهم للظواهر المنبوذة، وهذا ما نلمسه في مؤلفاتهم التي، تعد مصادر لا غنى عنها لكل باحث وأديب.