مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد السابع - السنة الثانية -نيسان"ابريل"1982
ذهب العلماء قديمًا وحديثًا إلى أن اللغة قد نشأت في الأصل بحكاية أصوات الطبيعة. وقد بدت الصلة جلية لا لبس فيها بين اللفظ ومعناه في كثير من الكلم مؤذنة بسرها مبينة عن وجهها. وهو مذهب معروف سائر يشهد له توافر ما استعير في اللغة من ألفاظ هذه الأصوات، في طراءة سنها وحداثة نشأتها. وأثبت علم اللغة الحديث تلقي اللغة من الأصوات المذكورة مذ كان الإنسان متصلًا بالطبيعة اتصالًا لا نفصام له، تنبثق أداته التعبيرية من أصدائها وتنبعث جذور لغته من أحداثها، معولا في كل ذلك على رهف حسه وحدّة سمعه:
يرعي الأذن فيتسقط الحركات ويذكي الخاطر فيترصد السكنات. وهو في هذا شاهد اللب يقظ الفؤاد كلوء العين، لا يغلبه نوم أو تأخذه غفلة، تحفظًا وحياطة. وقد اشتق العرب فعلًا أسماء للصوت حاكوا بها أصداء الطبيعة كالنعيق والخرير والصهيل والحسيس والأزيز والصرير والأنين والزئير والفحيح والطنين والهزيم والعواء والنباح والخوار والثغاء...
وفي الجملة إذا صح أن يعرض لمفردات اللغة، على ما تقتضيه سنة الارتقاء ما ينأى بمادتها وصورتها عن أصولها الأولى فتتبدل وتتغير وتؤخذ بالصقل والتهذيب بالمواضعة والاصطلاح فتسمو بلغة الإنسان عما يجوز بتسميته لغة الحيوان خلال مراحل متعاقبة متطاولة، فإن في كل لغة كلمان لا تزال، على تدرجها وارتقائها، تعكس بظلالها أصداء معانيها.