مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 27 و 28 - السنة السابعة - نيسان وتموز"أبريل ويوليو"1987 - شعبان وذو القعدة 1407
ولم تتقدم أوروبا المسيحية إلا بالفصل بين السلطتين الدينية والمدنية يقول الشيخ عبده:"كان من أعمال التمدن الحديث الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية. فترك للكنيسة حق السيطرة على الاعتقاد، والأعمال فيما هو من معاملة العبد لربه.. وخول السلطة المدينة حق التشريع في معاملات الناس بعضهم لبعض، وحق السيطرة على ما يحفظ نظام اجتماعهم، في معاشهم لا في معادهم.." (60) . فإن كانت المسيحية قد فصلت بين السلطتين الدينية والمدنية، فيذهب عبده إلى أبعد من ذلك لأن الإسلام برأيه قد أطلق المسلم من كل قيد. يقول:".. فإن كان الإنجيل فصل بين السلطتين بكلمة واحدة (إشارة إلى العبارة المسيحية أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ، فالقرآن قد أ طلق الرأي من كل قيد بكلمتين لا كلمة واحدة، قال في سورة البقرة:"لا إكراه في الدين".... وقال في سورة الكهف:"وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (61) ."
ونود هنا أن نلفت النظر إلى أن العلماء اختلفوا في آية"لا إكراه في الدين". فالقول الأول، إنها منسوخة لأن النبي ( قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا بالإسلام. وجاء أن هذه الآية نسخت بقوله تعالى"يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين".(التوبة/ 83) روي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين. والقول الثاني، إنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام هذا قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك (62) .