أما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: (قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر(، فالأوثق فيها ما أشار إليه القرطبي من أن هذا ليس بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر وإنما هو وعيد وتهديد. خاصة أن تكملة الآية تفصل ما أعد الله تعالى للكافرين الظالمين من هوانِ النار، وما أعد للمؤمنين من جنات عدن"أنا اعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها، وأن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه"(الكهف/ 29) .
وهكذا نخلص من بحث سلطة الدين عند محمد عبده فنجد أنها لا تتجاوز حق الوعظ والإرشاد وتجملها عبارة واحدة: إن للدين سلطة"اللسان"في إصلاح حال المسلمين.
2-السلطة المدنية:
يد الحق والإصلاح (المحافظة على الدولة ثالثة العقائد)
يجد محمد عبده أنه لا قيام للدين إلا بالدولة. إنها بمثابة اليد التي تبطش، والميزان الذي ينصب في المجتمع لإقامة العدل وحفظ حقوق الناس فيما بينهم، على أسس الشريعة. فالدولة أو الخلافة من هذا المنظور ضرورة اجتماعية تحفظ نظام الجماعة، والخليفة هو واحد، تنصبه الأمة، وتكون صاحبة الحق عليه. وهو مطالب أمامها بالعدل والسير على نهج الكتاب والسنة يقول عبده:"لكن الإسلام دين وشرع فقد وضع حدودًا... فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود، وتنفيذ حكم القاضي بالحق، وصون نظام الجماعة. وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في عدد كثير، فلابد أن تكون في واحد، وهو السلطان أو الخليفة (63) ". ويقول:"ثم هو (الخليفة) مطاع ما دام على المحجة ونهج الكتاب والسنة، والمسلمون له بالمرصاد.. فإذا فارق الكتاب والسنة في عمله وجب عليهم أن يستبدلوا به غيره، ما لم يكن في استبداله مفسدة تفوق المصلحة فيه. فالأمة -أو نائب الأمة- هو الذي ينصبه، والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدني من جميع الوجوه" (64) .