مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 25 و 26 - السنة السابعة - تشرين الأول وكانون الثاني"اكتوبر ويناير"1986 و 1987 - صفر وجمادى الأولى 1407
ينتمي ابن جني مثل معظم اللغويين الكبار في تاريخنا، سيبويه والفراء والفارسي والزمخشري وغيرهم إلى المعتزلة، وهم الجماعة المعروفة بتحكيم العقل؛ فالاعتزال"منهج في البحث والتجربة والاستدلال العقلي" (1) ."وقد كانت ثقة المعتزلة كبيرة بالعقل لا يحدها إلا احترام أوامر الشرع؛ فكل مسألة من مسائلهم يعرضونها على العقل؛ فما قبل أقرّوه، وما لم يقبل رفضوه" (2) .
وجعلته هذه الأرضية الفكرية وتمثله لتراث سابقيه يلح على جعل اللغة علمًا. وإليه يمكن أن ننسب باطمئنان وضع القاعدة اللغوية المطَّردة الشاملة التي لا يطعن فيها طاعن، فهو بهذا ذو عقل شمولي متميز، خطّ لمن بعده أسس البحث اللغوي وأساليبه.
ألَّف ابن جني كتاب الخصائص ليبحث النظام العام للغة منطلقًا من تمثله لآراء أستاذه أبي علي الفارسي القائمة على دراسة اللغة دراسة بنيوية وظيفية، فشرح عموميات اللغة في مستهل الخصائص، كالفرق بين القول والكلام، ومعنى النحو والإعراب والبناء. وتطرق إلى أصل اللغة؛ أوحي هي أم اصطلاح، ولم يجزم بواحدة منهما، وقبل بنظرية ثالثة هي نظرية الأصل الطبيعي. ولم يتوقف طويلًا عند هذا الموضوع ما دام لا يغير شيئًا من حقيقة القوانين اللغوية. وأوضح أن هدفه تأسيس أصول للنحو على غرار أصول الفقه ورفع العلل النحوية التي كانت مضرب المثل في الضعف إلى مرتبة العلل الكلامية؛ فخطط أسلوب البحث العلمي، وطريقة وضع القواعد الشاملة. وأكد أن للغة قوانين تحافظ عليها، وأفرد أبوابًا كثيرة للقياس الذي يتزعم مدرسته إلى جانب دراسات صوتية تصب هي الأخرى في مجرى النظام العام للغة.