بوأه الأستاذ أحمد أمين زعامة مدرسة القياس (3) . ورآه الأستاذ سعيد الأفغاني أعلى علماء العربية كعبًا في جميع عصورها، وأغوصهم عامة على أسرار علم العربية، والاهتداء إلى النظريات العامة فيها. ونسب إليه ابتداع نظرية الاشتقاق الأكبر، وتأسيس فقه اللغة، وإمارة علم التصريف بلا منازع (4) وكذلك أقر الأستاذ محمد علي النجار محقق الخصائص بنبوغه في الصرف، وسعة درايته وروايته وفضله على المتأخرين (5) . ونسب إليه الدكتور شوقي ضيف وضع القوانين الكلية في التصريف (6) .
وهاجمه، وسائر النحاة المعتزلة، كثيرون بتهمة اضطراب الرؤية اللغوية نتيجة لإقحام المنطق في النحو. وعلق أبو علي الفارسي نفسه على مزج أحد النحاة المعتزلة في عصره، وهو الرماني، النحو بالمنطق قائلًا:"إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان ما نقوله نحن فليس معه منه شيء" (7) .
ولتلمس موقع الرجل بين هذه الإطراءات والاتهامات، ولبيان مدى نجاحه في محاولته، لا بد من العودة إلى شيء من علم اللغة العام.
يعود تاريخ علم اللغة العام إلى بدايات القرن العشرين، عندما أعلن عالم اللغة ماييه عام 1906:"إن التاريخ لن يكون بالنسبة للغوي غاية بل وسيلة" (8) مشيرًا بذلك إلى أن جهود علماء اللغة في القرن التاسع عشر وما قبله انصبت على الأبحاث التاريخية والمقارنة، وعلى إثبات القرابة بين اللغات: ولا سيما بعد اكتشاف اللغة السنسكريتية، وردة الفعل العنيفة ضد قواعد بور رويال. وفي العام نفسه بدأ عالم اللغة الشهير سوسور في جامعة جنيف محاضراته في"علم اللغة العام"فأسس عمليًا هذا العلم.