ولما كان حب الله هو السعادة القصوى والغاية الأخيرة للأفعال الإنسانية، فإن من يحب الله يكون هو المطيع حقًا للقانون الإلهي، لا عن خوف أو رجاء، بل عن معرفة الله، هو يعلم أن معرفة الله وحبه هما الخير الأقصى، وهو ما يدركه الإنسان بذهنه لا ببدنه، أما القانون الإنساني، فإنه يهدف إلى غاية أخرى، وهي المحافظة على سلامة الإنسان وأمن الدولة التي يعيش فيها، إلا إذا كان الوحي هو الذي شرعه، لأن معنى ذلك هو إرجاع الأشياء لله.
وإذا عرفنا طبيعة الله، وأن إرادته وذهنه شيء واحد، عرفنا أن أوامر الله بالتحريم أو بالتحليل حقائق أبدية، تتضمن ضرورة أبدية. لقد أوحى الله لآدم الشر الذي سيكون النتيجة الضرورية لفعله، ولكنه لم يوح إليه ضرورة نتيجة هذا الشر، أي أن آدم لم يدرك الوحي كحقيقة أبدية، بل أدركه كقانون أو كقاعدة، تقرر وجوب ثواب أو عقاب، نتيجة لفعل ما، وليس لطبيعة الفعل نفسه. ونظرًا لنقص معرفة آدم أصبح الوحي قانونًا.
وقد كان آدم- وهو أول من كشف له الله عن نفسه- يجهل أن الله حاضر في كل مكان، وأنه بكل شيء عليم، فقد أخفى نفسه بالفعل عن الله، وحاول في حضوره الاعتذار عن خطيئته، وكأنه أمام إنسان مثله، وإذن فقد كان كشف الله له عن نفسه، بطريقة على مستوى فهمه، أعني كموجود لا يوجد في كل مكان، في الوقت نفسه، ويجهل خطيئة آدم والمكان الذي يوجد فيه. لقد سمع آدم بالفعل، أو ظن أنه سمع الله سائرًا في الحديقة، وظن أن الله ناداه وسأله عن مكانه، وإن الله، بعد أن لحظ اضطرابه سأله إن كان قد أكل الفاكهة من الشجرة المحرمة. فآدم لم يعلم من صفات الله، إلا أنه خالق كل شيء.