لا عافاك الله يا أمير المؤمنين. فيكون المتكلم يريد الدعاء للخليفة فينقلب بالتعبير الناقص دعاءً عليه، فلم يَغفل سيدنا عمر، وهو من هو: في الصحبة والولاية والرجولية والعربية، أن يُحسّ بالخلل التعبيري، فقال:
ـ قد عُلِّمتم فلم تتعلموا. هلا قلت: لا وعافاك الله.
أي بزيادة (الواو) ؛ فإن الواو هنا: تَقْطَعُ تَسَلُّط (لا) على (عافاك) ، بعدها، وتستأنف كلامًا جديدًا.. فيكون الكلام الآن في لفظه وتركيبه وعربيته ملائمًا لنيّة المتكلم ومتسعًا لمعناه.. أي..."لا، لم يكن ما أشرت إليه يا أمير المؤمنين، ثم.. عافاك الله ورعاك".
فهذا كما قلنا هو النص الأول، وكلام عمر رضي الله عنه هنا مكين في البلاغة، دقيق الملاحظة، يدل ويشير إلى صواب التعبير في ناحية خفية لكنها خطيرة إن اختلت.
ويمر الزمن، حتى يجيء عصر الصاحب ابن عباد. عصر المتنبي، وابن العميد، وهو القرن الرابع الهجري.. فَيَعْلَمَ الصاحب بهذه البلاغة العمرية، وبروعة هذه الواو الموضوعة في محلها الدقيق، فيقول معلقًا:
ـ هذه الواو: أجمل من واوات الأصداغ، على خدود الملاح.
فكلام الصاحب بن عباد هنا، في ذاته، نص أدبي ـ على خطفه وقِصَرِه ـ رائع كامل،جميل، قال: هذه الواوات هنا أجمل من واوات الأصداغ، على خدود الملاح.
وكانت الجواري في ذلك الزمن، يَتَزّيّن لسادتهن، ولأنفسهن في محافلهن، فإنهن يُضفرن شعورهن... بحيث تنزل منه على خدودهن خصل معقوفة مدببة بشكل واوات، فيكون للمرأة منظر بهي، تَسُرُّ به مالكها أو بعلها.. ويكون محل تلك الواوات العجيبة في الأصداغ والخدد. فيقول الصاحب بن عباد ـ رحمه الله ـ إن واو عمر تلك... في إحكامها، وتمكن محلها، واستغناء واضعها بها عن كلام، وحُسْن رونقها.. لأجمل ـ والله، من واوات النساء الجميلات المزينات بشعورهن...