فهذه بلاغة على بلاغة، وهذه قطعة أدبية ولوحة فنية تعبيرية، من نصين، في عصرين، وكون العصرين متباعدين أطرف للقطعة، وأدهش، وأمتع تحريكًا عاطفيًا، والنص الأول لعمر رضي الله عنه.. بليغ جميل محكم نبيل، والنص الثاني للصاحب الوزير، مثير فني آسر بليغ، والقطعة التامة، كلها، معبرة.. عن عصريها وشؤونهما.... وتمتع ـ أيها القارئ ـ بهذه القفزة اللطيفة أو الخطوة العجيبة بين عصرين من عصورنا... وتلذذ بالفن والأدب الجم والرونق الخالص، وثناء آخر الأمة على أولها، وتعجب، أكثر شيء لهذا الإيجاز الرافع والخطف الذي هو كالنبض، في بث الأدب العالي والتعبير الآسر والكلمات الجميلة.. إن هذا الأدب ثرّ على أنه نَزر، ونصٌّ كبير ذائبٌ في النسائم والغمائم، مع أنه ـ في الحقيقة والواقع ـ أشبه بفصّ في خاتم.
وقد روي هذا الخبر... أعني الأول... بأشكال.... منها...
سأل المأمون يحيى بن المبارك عن شيء فقال: لا وجعلني أن فداءك يا أمير المؤمنين، فقال لله درك، ما وضعت واو قط وضعًا أحسن منها في هذا الموضع، ووصَلَه وحمَّله.
لكن ما سردناه هو الأصل... والرائع دومًا يتكرر، ويُدّعى ويُعاد ويستعاد (1) ، ومن هذا الفن ما رواه ابن عبد ربه في عقده: أن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ كان في سفر، فسمع من قافلة مدانية صوت رجل يتغنى بأبيات طرفة بن العبد المشهورة:
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى
فمنهن سبقي العاذلات بشرُبة ... كُميت متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِد
وكَرِّي إذا نادى المضاف مُحنَّبًا ... كسيد الغضا ذي السَّورة المتورد
وتقصير يوم الدَّجن، والدجن مُعجب ... ببهكنة تحت الطِّراف المعمَّد