ويكفي أن نشير- دون أن نستفيض في تحليل الصراع بين متى وكيف- إلى أن الشعر ينتمي إلى الزمان بطبيعته، بينما ينتمي الفكر إلى المكان، ولا يفتأ الفكر يحاول"فهم"الشعر"دون أن يتأتى له ذلك، ويخيل إلي أن تلك هي -في الأصل-قضية التصوف الأولى في الفكر الفلسفي، وقضية وحدة الوجود الأولى في الفكر الصوفي؛ فالشعر وجد وخيال، والفكر منطق ومادة، ومن الممكن أن يتناقض الشاعر فلا يُنكر ذلك عليه، بينما ينكر على المفكر أي تناقض، وإذا نظرنا إلى وحدة الوجود في نشأتها الأولى ألفينا أنها كانت شعورًا أو حدسًا يومض في القلب، شعورًا رافق فجر الإنسانية التي نظرت ذاهلة إلى مظاهر الوجود الواحد، ولعلنا نلمح ومضات هذا الشعور الأولى في التصوف الهندي الذي جاء فيه:"أما عند التحقيق فجميع الأشياء إلهية؛ لأن"بشن"جعل نفسه أرضًا ليستقر الحيوان عليها، وجعله ماء ليغذيهم، وجعله نارًا وريحًا لينميهم وينشئهم، وجعله قلبًا لكل واحد منهم ... وتطورت هذه الفكرة في"براهمان"الأزلي الأبدي الذي يمكن أن يكون صغيرًا كحبة الأرز أو كالصورة التي ترتسم في إنسان العين، ولكنه هو نفسه الذي يغمر العالم، وهو أعظم من الزمان، والهواء، والسماء". [1] "
ولنلاحظ التعبير الشعري المجازي الذي تردد فيما بعد عند ابن عربي وهو يتكلم على الإنسان:"وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر، فلهذا سمي إنسانًا؛ فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم، فهو الإنسان الحادث الأزلي، والنشيء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة" [2] .
(1) د. محمود، عبد القادر: الفلسفة الصوفية في الإسلام.
(2) د. عفيفي، أبو العلا: فصوص الحكم، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1946 ص48 -49. ص 497