فهرس الكتاب

الصفحة 10230 من 23694

والحقيقة أن كل تعريفات الفلسفة إنما تدور في فلك هذا المعنى، ولا تكاد تعدوه إذا ما اعتبرنا المطلب الأسمى، وهو الوصول إلى الحقيقة، هو الغاية القصوى من حب الحكمة وطلبها، تستوي في ذلك كل التعريفات حتى ما تعارض منها، ويتبدى لنا ذلك إذا ما لاحظنا أن كل الفلسفات تستند إلى أساس منهجي واحد، وإن تشعبت أغراضه أو تعارضت، ذلك الأساس هو الشك، فقوام الفلسفة في الحقيقة هو التساؤل، والتساؤل ضرب من الشك الأولي، وإن لم يبد ذلك جليًا في كل تعاريف الفلسفة، إلا أنه حقيقة متضمنة في التعريف والمنهج، وما من فيلسوف إلا وكان الشك نقطة البداية التي انطلق منها، سيان وعى ذلك أم لم يعه.

ولكن، هل كل ضروب الشك سواء؟ إن تتبع آثار الفلاسفة يكشف لنا عن ضربين أساسيين في الشك، أولهما شك مضمر، وثانيهما شك جلي، فأما الشك المضمر فهو الذي وجدناه عند الفلاسفة قاطبة، بالضرورة لا بالاختيار، حتى الذين انطلقوا من (مسلمات ما) إنما ذلك لتشكيكهم المضمر بغيرها...

وأما الشك الجلي، فهو الذي أعلن منهجًا ينطلق منه هذا المذهب أو ذاك، وهو نوعان، أولهما هدام، وثانيهما بناء، وإنما كان الأول هدامًا لأنه مطلق لا غاية له إلا الشك، أي الشك لمجرد الشك، وهنا ينتفي أي إمكان لأية معرفة، صحيحة كانت أو خاطئة، وفي المغالطين"السفسطائيين"نموذج على ذلك"فقد وضع (جورجياس 480-375 ق. م) كتابًا عنوانه: -الطبيعة أو اللاوجود- وحاول فيه أن يقيم الدليل على هذه القضايا الثلاث: -لا شيء موجود- إن وجد شيء فلا يمكن أن يعرف- وإن أمكن أن يعرف فلا يمكن إيصاله إلى الغير-" (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت