"وبلغ الشك أشده في النزعة اللا أدرية التي تزعمها (بيرون 365-275ق. م) منكرًا العلم واليقين، فلا يوجد حقيقة، وإنما هناك وجهات نظر يمكن إثباتها ونفيها بآن معًا، وبالتالي فلا شيء في نفسه حق، ولا شيء في ذاته خير أو شر، وإنما هو خير في رأيي أو رأيك، ومن ثم يجب أن نمتنع عن إصدار الأحكام القاطعة" (4) ويبدو جليًا أن هذا النوع من الشك لا يستقر على حال البتة، ولا يصل إلى حقيقة أبدًا، لأن أصحابه يؤثرون التأرجح بين الشكوك على الركون إلى أي حكم.
وأما النوع الثاني من الشك الجلي، وهو الشك البناء، أو ما يسمى عادة بالشك المنهجي، فقد سمي بناء لأنه لا يتوقف عند الشك وحسب، وإنما أوجد أصلًا ليكون مرتكزًا نصل من خلاله إلى اليقين، أي أنه إجراء مرحلي نهتدي من خلاله إلى الحقيقة، والحقيقة اليقينية لا النسبية، وقد كان (الإمام الغزالي 450-505هـ/ 1059-1111م) من أوائل من أرسوا قواعد هذا الشك، وتبعه الفيلسوف الفرنسي (رينه ديكارت 1596-1950م) بنفس الخطا، ليكون لكل منهما في التاريخ شأنه.
فالإمام (الغزالي) :"استحوذ تأثيره الساحر على عقول الطبقات المسلمة كافة، ولا سيما الطبقات الوسطى، ولا يزال هذا التأثير مستمرًا إلى اليوم يرتدي حللًا مختلفة، ويتجدد في صور متباينة، وكأنه يلازم حياة (الرأي العام) المسلم" (5) ولعل الإمام (الغزالي) -بشهادة معظم النقاد والمفكرين- الوحيد من بين فلاسفة المسلمين، الذي انتهج أسلوبًا فلسفيًا مميزًا مستقلًا عن أسلوب المدرسة اليونانية، مفتتحًا بذلك أسلوبًا فلسفيًا جديدًا.