فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 23694

ويقود ذلك بالطبع إلى قضية الانتقاء ومعاييره، وسواء كان المرء مع الانتقاء نظريًا أو لم يكن- وأغلب الناس ليسوا معه- فإنه لا بد لدى تناول التراث من الاستئناس أو التقيد بسلم من الأولويات من شأنه أن يجعل عملية الإحياء ممكنة أولًا وقادرة ثانية على أن تنتقل من عملية (إحياء) إلى عملية (استيعاب) . ذلك أنه لن يكون من باب (إحياء) التراث في شيء أن يتغير شكل كتبه مثلًا من مخطوط إلى مطبوع، أو أن يتخذ زينة للمجالس والقصور، وإنما يكون (الإحياء) الحقيقي للتراث في إقبال الناس على الاتصال به حتى يصبح جزءًا فاعلًا من وجدانهم وتركيبهم العقلي.

وبعد، فما أكثر المسائل التي تنبثق من قضية التراث والتي تحتاج إلى مناخ من المناقشة الحرة المتبصرة. ونحن العرب ليس لدينا ما نخشاه في هذا الصدد، وبسبب مميزات كثيرة أهمها اتصال حاضرنا بماضينا وتآلف طبيعة تراثنا وانسجامه الداخلي، وعظمة ماضينا وطابعه الإنساني ومكانته العالمية الكبرى في تاريخ الحضارات، وإجماعنا على أن نكوّن (أنفسنا) وأبناء تراثنا... بسبب هذه العوامل وعوامل أخرى كثيرة من جنسها، يمكن أن نكون مرشحين لأن نجعل من تجربتنا في التقرب من التراث نموذجًا يحتذى بين شعوب العالم المعاصرة التي تتنازعها عوامل (التقليد) و (المعاصرة) و (الهوية) و (الانفتاح الإنساني) ... وإن في تراثنا ذاته من المقومات ما يمكن أن يسهم في إنقاذ الإنسانية من هذه البلبلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت