فهرس الكتاب

الصفحة 16864 من 23694

وليلةَ الشك وهو ثالثنا ... كانت هناتٌ والله يغفرُها

أيامُ لهو في جانبي حلب ... لم يبق منها إلا تذكُّرُها

ونراه في كل مرة يصف فيها هذا اللقاء يستعرض ألوان المتعة التي كان يجنيها من خمرة رضاب علوة فيقول [1] : ... بأبيضَ رقراق الرضاب بُرادِ

فبتنا وباتت تمزج الراحَ بيننا

ولم نفترق حتى ثنى الديكُ هاتفًا ... وقام المنادي بالصلاة ينادي

وفي صورة أخرى من صور اللقاء تتبدى مهارة البحتري في المشاكلة اللغوية، إذ تلتقي نصاعة أسنانها بنصاعة حديثها فتصبح لذة للرائي ولذة للسامع فيقول [2] : ... تعجَّب رائي الدر حسنًا ولاقطُهْ

ولما التقينا والنقا موعد لنا

فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطُهْ

بل إنه ليصرح بأنهما كانا يتبادلان العناق والتقبيل، ويتساقيان من كؤوس الحب ما يتساقيان إلى أن يتبدد ظلام الليل فيقول [3] : ... بعينيها وكفيها المداما

ورُبَّت ليلة قد بت أسقى

قطعنا الليل لثمًا واعتناقًا ... وأفنيناه ضمًا والتزاما

على أنه لا يبعد أن تكون هذه اللقاءات من صنع أوهام الفكر وأحلام اليقظة، إذ إننا نقع في ديوانه على أبيات تؤكد أن اجتماع الشاعر بعلوة لم يكن يتخطى بهما حدود العفة ويوردهما موارد الريبة. فها هو ذا يقول [4] : ... وقد صرت من علو عن الناس في مشغل

ألا إنَّ علوًا أفسدتني على أهلي

وإني أرى أهلي جميعًا وأهلها ... يسرهم لو بان من حبلها حبلي

وما بيننا من ريبة في مودة ... ولا مثلها يرمى بسوء ولا مثلي

ففي هذه الأبيات تتجلى أمامنا معان طالما ألفنا أمثالها عند الشعراء العذريين الذين عفت نفوسهم عن المتع الحسية والمفاتن الجسدية، فراحوا يصورون رغباتهم الروحية، وما كانوا يلقونه في الحب من صنوف العنت والعذاب. ... وألام من كمد عليك وأُعذر

(1) - الديوان: 1/562.

(2) - الديوان: 2/1230.

(3) - الديوان: 3/2009.

(4) - الديوان: 3/1890.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت